بؤر “شبه عائلية”…سيكولوجية الهفوات

الوطن 24/ بقلم: إدريس عدار

إدريس عدار

قبل قرن من الآن استعمل فرويد مفهوم سيكولوجية الهفوات بعد دراسة طويلة للمستملحات “النكت”. عالم النفس الشهير ومؤسس قواعده الحديثة تكلم عن تحوير الأسماء والأشكال والنعوت قصد السخرية من الآخر، هذه الاستعمالات تكون غير مقصودة غير أنها معبرة عن خلفيات ثاوية في الباطن..أو كما يقال كل إناء بما فيه ينضح..لكن زلات اللسان لا تقتصر على النكت، التي هي تمرير للمواقف الشخصية وغير الشخصية من خلال الضحك، بل تهيمن أيضا على حقول الجد.

وعند السياسيين كثير من الهفوات. رئيس خاطب زميله قائلا “فخامة الرخيص”. وفي الواقع صاحبنا جاء للرئاسة بعد استرخاصها. ومن أشهر الهفوات التصريح الذي أدلى به ترامب للصحافة “فسويسرا التي تحولت إلى مكان للجوء عرفت تفجيرات إرهابية الجمعة”..وهي معلومة غير موجودة. في المغرب عرفنا تلك الهفوات المرتبطة بأصحابها مثل “المغرب كلو غادي يولي بقر”..زلات تعبر عمن قالها “الحاجة اللي ما تشبه مولاها حرام”.

آخر الهفوات هو حديث سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة عن “بؤر شبه عائلية”. لم يفهم من سمع هذا المفهوم مغزاه. لكن أغلب التأويلات ذهبت إلى البؤرة التي ظهرت في مراكش. بؤرة إصابة بفيروس كورونا المستجد نتجت عن نزوة عابرة، فانتقلت العدوى إلى العائلة والأصدقاء. لو كان العثماني ليبراليا لتم تأويل الأمر إلى إيمانه بالحريات الفردية وإمكانية تكوين أسرة أو العيش تحت سقف واحد دون “مؤسسة الزواج”..لكن الرجل ينتمي فقهيا إلى الوهابية السرورية التي انفتحت على بعض أشكال الزواج المشرقي..زواج فراند وزواج المسيار وغيرها..لكن هذه الزيجات غير معترف بها في المغرب..قانونيا هناك العائلة ولا يوجد تعبير “شبه عائلة”.

نحن فهمنا مثل باقي عباد الله أن العثماني يتحدث عن بؤرة مراكش المذكورة.

لماذا هفوات الإسلاميين كلها تتعلق بالجنس وما جاوره؟

أذكر كما يذكر غيري أن عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق للعدالة والتنمية ورئيس الحكومة المعزول، أطلق تعبيرا في البرلمان ما زال الجميع يذكره.. خاطب برلمانية من حزب مخالف قائلا “ديالي كبر من ديالك”.. المدافعون عنه سحبوا القول على الحزب. لكن عند المغاربة لما يذكر هذا التعبير مقرون بالاسم يدل على العضو الرجالي.. “الهاتف ديالي” تعبير واضح، لكن لما تحذفه لا يبقى هناك أي تأويل.

مصطفى الخلفي، القيادي في الحزب ووزير الاتصال الأسبق، عندما أراد أن يتحدث عن قناة تليفيزيونية قال إنها تبث المسلسلات المكسيكية التي هي عبارة عن ماخور. كاد يتسبب في أزمة ديبلوماسية بين البلدين. تصريح الخلفي كان من الممكن أن يمر دون ضجة.. لكن قال إن بث هذه المسلسلات حول البلاد إلى “ماخور مكسيكي”. هذا المصطلح أثار حفيظة السفارة المكسيكية..
يستعمل الإسلاميون النكت، أحيانا، لتمرير مواقفهم، وأحيانا يستعملون أسلوب “البوهالي”.. وهي طريقة معروفة لدى بنكيران، وكثير من “البوهالة” في تاريخ كانوا سياسيين لبسوا “الدربالة” متخفين وراءها لقول ما يريدون.. غير أن بنكيران اقتمص البوهالي وترك دربالته.. أما العثماني رئيس الحكومة فنترك مصيره للعثماني “مول العيادة”.

قبل أن يحل الإسلاميون ضيوفا على عبد الكريم الخطيب كانت تبدو على سحناتهم جدية مصطنعة..ومع كؤوس الشاي وكعب الغزال علمهم النكتة..لكن بنكيران تعلمها بقهقهة بليدة..ولهذا لا نميز بين كلامه الجدي ونكاته..فهل تلك الجدية المصطنعة قبيل تعلم النكت هي سبب هذا الصنف من الهفوات؟