حركة غير مسبوقة في صفوف الدرك الملكي المغربي.. هل يعيد الجنرال حرمو رسم الخريطة الأمنية بالمملكة؟

التحركات الجديدة طالت عدداً من المسؤولين الميدانيين، من بينهم رئيس المركز الترابي بإيموزار كندر الذي عُيِّن بمولاي يعقوب، ورئيس مركز إيموزار مرموشة المنتقل إلى البئر الجديد، بالإضافة إلى تحويل رئيس كوكبة الدراجات النارية بميسور إلى منطقة تيط مليل بالدار البيضاء، ما يعكس توجهاً واضحاً لإعادة توجيه الكفاءات نحو مراكز أكثر ضغطاً أو حساسية أمنية.

وفي صفرو، تم تنقيل قائد المركز إلى فاس لتولي رئاسة مركز بنسودة، بينما انتقل نظيره من رباط الخير إلى بني أحمد بإقليم شفشاون. كما تم تعيين رئيس المركز الترابي بغفساي (تاونات) بمدينة فاس، ونُقل قائد سرية سيدي المختار إلى واد أمليل التابعة للقيادة الجهوية بتازة، في إطار إعادة هيكلة تهدف إلى تعزيز الأداء الأمني المحلي.

من جهة أخرى، استقبلت القيادة الجهوية للدرك الملكي بتازة عناصر جديدة قادمة من حد السوالم، ضمن ما يشبه عملية إعادة انتشار شاملة على محاور حيوية في الشمال والوسط المغربي، وهي مناطق تشهد ضغطاً متزايداً بسبب عوامل ديمغرافية وأمنية وجغرافية متشابكة.

بعيداً عن الأسماء والتسميات، تعكس هذه الحركة تحوّلاً نوعياً في منظور القيادة العليا للدرك الملكي، التي لم تكتفِ بإجراء تنقيلات موسمية، بل عمدت إلى إعادة توزيع النخب الميدانية وفق خرائط الضغط الأمني والامتداد الجغرافي الجديد للجريمة بمختلف تجلياتها، سواء منها العادية أو العابرة للحدود.

تنامي بعض الظواهر الإجرامية، وارتفاع وتيرة الهجرة غير النظامية، وعودة شبكات التهريب للعمل على أطراف بعض الأقاليم، كلها مؤشرات دفعت القيادة إلى اختيار عناصر مشهود لها بالكفاءة والانضباط، لدعم محاور أمنية صارت أكثر حساسية في السياق الإقليمي الراهن.

التحرك الذي قاده الجنرال حرمو لا يمكن فصله عن الرؤية الأمنية الجديدة التي ينهجها المغرب، والتي تقوم على تعزيز الجاهزية الميدانية وتكثيف التنسيق بين مختلف الأجهزة، في ظل تقاطعات إقليمية معقدة وتحديات أمنية عابرة للحدود، من شمال إفريقيا إلى منطقة الساحل والصحراء.

وقد أظهر المغرب في السنوات الأخيرة نجاعة كبيرة في مواجهة التهديدات الإرهابية وتجفيف منابع التطرف، فضلاً عن ضرب شبكات تهريب المخدرات والهجرة غير النظامية. غير أن الحفاظ على هذه المكتسبات يفرض تجديد الدماء ورفع نسق الاستعداد الأمني، وهو ما تعكسه بوضوح هذه الحركة الأخيرة.

اعتماداً على كل ما سبق، نستشف أنه بقراراته الجديدة، يبعث الجنرال حرمو برسالة واضحة: المؤسسة العسكرية، وتحديداً جهاز الدرك الملكي، لم تعد تشتغل بمنطق التقليد أو التدبير الموسمي، بل تحوّلت إلى جهاز استباقي يشتغل بخريطة مخاطر دقيقة، ويعيد انتشار موارده البشرية وفق مؤشرات ميدانية واعتبارات استراتيجية.

فالرسالة تتجاوز مجرد تنقيلات إدارية، لتؤكد أن زمن الجمود انتهى، وأن القيادة اليوم تضع الجاهزية، والتأهيل، والتكيف مع التحديات الأمنية المتحوّلة، في صلب قراراتها. وهذا ما يجعل من هذه الحركة، رغم هدوئها الظاهري، واحدة من أكثر الخطوات حسماً في إعادة هندسة التوازن الأمني داخل المغرب.

إنها خريطة أمنية جديدة تُرسم بهدوء، في دولة جعلت من الاستقرار ركيزة ورافعة في محيط إقليمي متقلب. وبين التحولات التي يشهدها العالم، والتحديات التي يعرفها الداخل، يبدو أن المؤسسة الأمنية المغربية تتهيأ لمرحلة أكثر تطلباً، وأكثر تركيزاً على الكفاءة والجاهزية الاستباقية، في خدمة المواطن والدولة.