حين تصبح حديقة مسجد ملكي مرتعًا للفوضى: أين تذهب أموال الوزارة المُخصصة للصيانة؟

الوطن24
بينما تتفاخر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بامتلاكها ميزانية ضخمة تُضاهي ميزانيات عدة قطاعات مجتمعة، نجد أن بعض المساجد تحت إشرافها تعيش واقعًا مريرًا لا يمت بصلة إلى مظاهر الثراء الظاهرة في المؤتمرات الفاخرة والمشاريع الضخمة. فمسجد محمد السادس في قلب مدينة القنيطرة، الذي كان يُفترض أن يكون منارة دينية وثقافية، تحوّل إلى صورة معاكسة تمامًا: حديقته المهملة أصبحت ملاذًا للمشردين، ومحيطه يُشبه في بعض جوانبه مكبًّا للنفايات.
فحين تُمعن النظر في الحديقة المحيطة بهذا المسجد، قد تتساءل: هل نحن أمام ساحة عمومية تهدف لنشر السكينة والطمأنينة في نفوس المصلين والمارة، أم أمام مشهد كئيب يثير الشفقة والاستياء؟ الحشائش اليابسة تغطي الأرضية، وتلال من القمامة تنشر الروائح الكريهة، بينما يتجول المشردون بين الأشجار المهملة. الأدهى من ذلك أن هناك بئرًا في الحديقة ممتلئًا بالماء، ومع ذلك لا توجد أي محاولة لاستخدام هذا المورد الطبيعي لتشجير الحديقة، وكأن الفائض المالي للوزارة يُسخر فقط للمظاهر دون مضمون.
ما يثير الاستغراب أكثر هو أن هذا المسجد يحمل اسمًا ملكيًا، ما كان يفترض أن يجعله مثالًا يُحتذى به في الجمالية والنظافة، وجعل حدائقه مناطق خضراء تجذب الأنظار وتبعث الطمأنينة. لكن الواقع يبدو أنه لا يهم الجهات المسؤولة، وكأن الأمر لا يستحق العناء طالما أن الكاميرات لا تتجه صوب المكان، وطالما أن الحدائق ليست مشمولة بالميزانية الضخمة التي تُخصصها الوزارة لإقامة المؤتمرات وشراء السيارات الفارهة!
الوزارة، التي تحتكر تسيير الشأن الديني في المغرب وتُشرف على مئات المساجد، قد تُبرر هذا الوضع بغياب الإمكانيات أو نقص في الكوادر البشرية. لكن، هذه المبررات لا تصمد أمام حقيقة أن أموالًا طائلة تُصرف سنويًا على مشاريع دينية هنا وهناك، مما يجعل من غير المقبول ترك حديقة مسجد تحمل اسم الملك في حالة من الإهمال تسيء إلى المكان وتعرّض صورته لانتقادات لاذعة. وإذا كانت الوزارة تكتفي بترتيب وتنظيم المساحات الداخلية للمساجد، فإن إهمالها للحدائق المحيطة بها يُبرز افتقارًا للرؤية الشاملة.
ومما يزيد الطين بلّة، أن هذه الحديقة المهملة باتت تجذب فئة المشردين، ما قد يُسبب مشكلات اجتماعية وأمنية، ويحول المكان إلى فضاء غير لائق لرواد المسجد. هل من المعقول أن يتحول محيط مسجد يُفترض أن يكون مكانًا لنشر الفضيلة إلى مكانٍ ترتع فيه الفوضى؟ وهل غياب الرؤية يجعل هذه المساحات مجرد عقار دون قيمة اجتماعية وجمالية؟
لقد أضحى هذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية حول دور الوزارة والسلطات المحلية في صيانة هذه الفضاءات. فإذا كانت وزارة الشؤون الإسلامية، أغنى الوزارات، غير قادرة على تخصيص بضع آلاف من الدراهم لتشجير الحديقة وتجميلها، فكيف يمكننا أن نطالب مواطنًا بسيطًا بالمساهمة في الحفاظ على جمالية محيطه؟!
إن المطلوب اليوم ليس فقط إصلاح حديقة مسجد محمد السادس بالقنيطرة، بل إعادة النظر في كيفية تسيير الوزارة لميزانيتها، وتحديد أولوياتها. فلا يكفي أن تُبنى المساجد وتُزين من الداخل، بينما تبقى حدائقها ومحيطها على هذه الحال الكارثية. يجب على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تكون نموذجًا يحتذى به في العناية بالفضاءات الدينية والبيئية، وليس مجرد جهة تُصدر بيانات وأرقامًا تعكس ما هو على الورق، بينما الواقع يروي قصة مختلفة تمامًا.
فهل نحتاج فعلاً لفتوى تُبيّن لنا كيفية تنظيف هذه الحدائق، أم أن الوقت قد حان لتدخّل فعلي يعيد الاعتبار لهذه الفضاءات ويجعلها تستحق حمل اسم “الملك” و”الدين” معًا؟
