حين يوقظ خطاب العرش ذكرى من الطفولة

هناك كلمات تعبر الزمن، فتوقظ ذكرياتٍ كنا نظن أنها استقرت إلى الأبد في أعماق الذاكرة.

وأنا أستمع إلى خطاب العرش الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، لم يخطر ببالي أن فقرة واحدة منه ستأخذني، في لحظة خاطفة، إلى ما يزيد على خمسة وستين عاماً إلى الوراء. لكن هذا ما حدث بالفعل عندما أكد جلالته أن السعي وراء مجد شخصي أو لقب «زعيم قاري أو دولي» لم يكن يوماً غايته، وأن همه الوحيد كان وسيظل خدمة شعبه حتى يحيا كل مغربي في كرامة وحرية.

في تلك اللحظة، لم أعد أمام شاشة أتابع الخطاب.

لقد عدت ذلك الطفل ذا الثماني سنوات الذي كنته سنة 1961.

كنت أعيش آنذاك في دوار صغير من دواوير المغرب العميق. كانت الحياة في قريتنا تسير على إيقاع الفصول أكثر مما تسير على إيقاع الأحداث. كانت الطرق نادرة، وكانت الأخبار أشد ندرة. لم تكن هناك إذاعة ولا تلفزيون، وكانت الأخبار تصل متأخرة، يحملها مسافر، أو تاجر، أو موظف عابر. وما إن تبلغ الدوار حتى تصبح حديث الجميع.

ثم جاء الخبر الذي لم يكن أحد يتمنى سماعه: وفاة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس.

ولا تزال صور ذلك اليوم حاضرة في ذاكرتي. خرج سكان الدوار من بيوتهم، رجالاً ونساءً وشيوخاً، يغمرهم حزن صادق ما زال يهز وجداني كلما استعدته. لم يكن معظمهم قد رأى الملك في حياته، ولم يعرف ملامحه إلا من خلال صورة أو لمحة عابرة، ومع ذلك كانوا يشعرون وكأنهم فقدوا فرداً من أفراد أسرتهم.

وفجأة، صاح رجل غلبته العبرة قائلاً:

«لقد مات الملك… فمن سيتولى أمرنا نحن الفقراء؟ ومن أين سنأتي بما نعيش به؟»

ولم يجبه أحد.

كان الصمت الذي أعقب كلماته أبلغ من كل جواب.

كنت يومها في الثامنة من عمري، ولم أكن أدرك عمق ذلك المشهد. أما اليوم، فأعلم أن تلك الصرخة لم تكن مجرد تعبير عن حزن رجل بسيط، بل كانت تعكس الثقة التي كان البسطاء يضعونها في ملكهم. بالنسبة إليهم، لم يكن العرش حقيقة بعيدة عنهم، بل كان عنواناً للحماية، ومصدراً للأمل، ودليلاً على أن هناك من يحمل همومهم ويحرص على مصيرهم.

ومرت السنوات.

كبر ذلك الطفل، فأصبح طالباً، ثم أستاذاً جامعياً، ثم خبيراً اقتصادياً. تعلم قراءة الأرقام، وتحليل السياسات العمومية، ومتابعة التحولات التي عرفها المغرب والعالم. غير أن تلك الصرخة التي سمعتها في دوار طفولتي لم تغادر ذاكرتي يوماً.

ولهذا السبب بالذات، هزتني العبارة التي وردت في خطاب العرش.

فعندما يؤكد ملك أن غايته الأولى ليست المجد ولا الألقاب، وإنما خدمة شعبه، سيرى كثيرون في ذلك موقفاً سياسياً. أما أنا، فقد سمعت فيها صدى ذكرى كنت أعتقد أنها ووريت التراب إلى الأبد.

لقد وجدت في تلك العبارة صوت ذلك الرجل المجهول الذي عبّر، في يوم من أيام سنة 1961، بكلمات بسيطة، عما كان يختلج في نفوس كثير من المغاربة الذين كانوا يعيشون بعيداً عن المدن، في القرى والجبال والمناطق النائية، بعيداً عن مراكز القرار.

ولم يعد مغرب اليوم هو مغرب طفولتي.

فقد تحولت المسالك إلى طرق معبدة، ولم تعد الدواوير معزولة عن العالم. وحلت الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي محل تناقل الأخبار شفهياً. كما تنوع الاقتصاد، وتطورت البنيات التحتية، وعززت المملكة مكانتها على المستويين الإقليمي والدولي.

غير أن هناك حقائق لا يغيرها الزمن.

فلا يزال في وطننا نساء ورجال يواجهون الهشاشة، ويعانون أحياناً من الظلم أو الإحساس بالتهميش. وكثير منهم، عندما تبدو جميع الأبواب موصدة، يبقى لديهم أمل واحد: أن يصل صوتهم إلى من يجسد استمرارية الدولة، ويصون وحدة الوطن، ويسهر على حماية مواطنيه.

لقد ظلت هذه الفكرة ترافقني طوال استماعي إلى خطاب العرش.

فبعيداً عن الحصيلة الاقتصادية، والمشاريع الصناعية، والسيادة الاستراتيجية، وطموحات التنمية، رأيت في الخطاب تأكيداً متجدداً لفكرة بسيطة، لكنها عميقة الدلالة: « ن نبل السلطة لا يقاس بما تمنحه من مجد، بل بما تفرضه من واجب خدمة المواطنين. »

ولعل هذا ما يفسر خصوصية العلاقة التي تربط العرش بالشعب المغربي.

فهي علاقة لم تتشكل في يوم واحد، وإنما نمت عبر الأجيال، وتأسست على الثقة، والأمل، والانتظار أيضاً. وهي علاقة تمنح الشرف، لكنها في الوقت نفسه ترتب مسؤولية جسيمة.

وعندما انتهيت من قراءة خطاب العرش، وجدت نفسي أعود بذاكرتي إلى ذلك الدوار الصغير الذي نشأت فيه.

رأيت من جديد الوجوه التي غمرتها الدموع.

ورأيت ذلك الرجل الذي لم أعرف اسمه قط.

وأدركت اليوم أن صرخته لم تكن تعبر فقط عن الحزن لوفاة ملك.

بل كانت تحمل حقيقة أعمق فعندما يضع شعب آماله في مؤسساته، تصبح تلك المؤسسات مؤتمنة على تلك الثقة، وتتحمل تجاهه مسؤولية أخلاقية عظيمة.

في ذلك اليوم، ومن غير أن يدري، منحني ذلك الفلاح البسيط في أعماق المغرب واحداً من أعظم دروس حياتي.

وبعد خمسة وستين عاماً، كانت عبارة واحدة من خطاب العرش كافية لتعيد إلى ذلك الدرس كل حضوره وقوته.

هناك كلمات تضيء المستقبل.

وهناك كلمات توقظ الذاكرة.

وأعظم الكلمات هي تلك التي تنجح في أن تفعل الأمرين معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *