عودة الطريد .. عبد الإله حسيسن !

الوطن24/ بقلم: عبد القادر العفسي
ليست السياسة بابا يفتح بالمفتاح، ثم يغلق بالمزاج ! السياسة، في معناها الأعمق، ذاكرة تتحرك، ومصالحُ تتبدل، وتحالفات تعود من حيث ظن الجميع أنها اندثرت، لذلك فإن عودة عبد الإله حسيسن إلى المشهد السياسي بالعرائش ليست مجرد انتقال من ضفة حزبية إلى أخرى، ولا مجرد التفاف انتخابي حول اسم نزار بركة، إنها لحظة تكشف أن ما يسمى داخل التنظيمات بالإقصاء لا ينجح دائما في إعدام الأثر، وأن من يدفع إلى الهامش قد يعود ذات يوم حاملا معه أسئلة الهامش كلها إلى قلب المركز.
عاد حسيسن إلى السياسة من بابها المفتوح، من بوابة حزب الاستقلال، داعما ترشح نزار بركة، وفي لحظة بدت فيها عودته، وفق ما راج من قراءات سياسية، دفعة فارقة في موازين الصراع الداخلي، وعنصرا مؤثرا في صعود بركة بأغلبية واسعة، لكن الأهم من النتيجة العددية هو ما كشفته هذه العودة من حقيقة عادة ما تحاول التنظيمات السياسية إخفاءها: أن القوة الحقيقية لا تقاس دائما بعدد المقاعد، ولا بحجم اللافتات، ولا بوفرة الخطابات، بل بقدرة الفاعل السياسي على تحريك الذاكرة، واستعادة الثقة، وربط الحاضر بما عجزت القيادات الجديدة عن دفنه من ماضي التنظيم.
فالرجل الذي قضى أكثر من ثلاثة عقود في حزب التجمع الوطني للأحرار لم يكن عابرا في تجربة حزبية قصيرة، ولم يكن اسما طارئاً على هندسة النفوذ المحلي، ثلاثون سنة وأكثر تكفي لكي يصبح الإنسان جزءا من ذاكرة المكان، ولكي يعرف كيف تبنى الولاءات، وكيف تتشكل شبكات التأثير، وكيف تتحول السياسة من مشروع عمومي إلى سوق رمزية يتنافس فيها من يملكون الخطاب ومن يملكون مفاتيح الوصول إلى الناس، ولذلك فإن إبعاده، كما تروي بعض القراءات والتقارير المتداولة، لم يكن بلا كلفة، خصوصا إذا كان سبب التوتر مرتبطا بتشكله داخل التنظيم في صورة مقاومة لبعض التعبيرات المتحالفة مع السلطة أو لبعض الممارسات التي ينظر إليها بوصفها خلطا بين السياسة وتجارة العقار والنفوذ …
وهنا ينبغي الحذر من تحويل الرواية السياسية إلى حكم قضائي، فليس كل ما يقال حقيقة نهائية، وليس كل اتهام دليلا، غير أن وظيفة التحليل ليست ترديد البلاغات الرسمية، بل مساءلة ما تخفيه اللغة الحزبية حين تستعمل كلمات مثل الانضباط والمصلحة التنظيمية، وإعادة الهيكلة لتغطية صراع أعمق حول من يملك حق الكلام، ومن يحدد حدود المسموح، ومن يقرر متى يصبح الاختلاف خيانة، ومتى تتحول الطاعة إلى فضيلة سياسية.
في كل تنظيم حزبي ، توجد سلطة معلنة وسلطة صامتة، السلطة المعلنة تسكن في الهياكل والقرارات والمؤتمرات، أما السلطة الصامتة فتتحرك في الكواليس، في توزيع الاعتراف، وفي منح الشرعية، وفي صناعة صورة السياسي المقبول والسياسي المزعج! السياسي المقبول هو من يتكلم داخل السقف، أما المزعج فهو من يسأل عمّن صنع السقف، ولماذا ارتفع فوق رؤوس الناس، ومن المستفيد من بقائه منخفضا على فئة ومرتفعاً على فئة أخرى.
من هذه الزاوية، فإن قصة عبد الإله حسيسن لا تخص شخصا واحداً فقط، بل تضع أمام المجتمع سؤالا أكبر: هل تريد الأحزاب مناضلين أم مجرد منفذين؟ هل تقبل الاختلاف بوصفه مصدرا للتصحيح، أم لا تتذكر قيمة المناضل إلا عندما تحتاج إلى رصيده الشعبي؟ وهل تستطيع التنظيمات أن تفرق بين النقد الذي يحميها من الانحراف، والتمرد الذي يهدد وجودها؟ إن الحزب الذي يطرد كل صوت مستقل قد يربح هدوءا مؤقتا، لكنه يخسر بالتدريج القدرة على رؤية عيوبه، أما الحزب الذي يحتمل النقد، فإنه لا ينجو من الصراع، لكنه يخرج منه أكثر نضجا وأقل خوفا من نفسه .
لقد ظنت بعض النخب أن الزمن يعمل لمصلحتها، وأن إبعاد الرجل سيجعله خبرا قديما، وأن الذاكرة الانتخابية قصيرة، وأن الناخب لا يحتفظ إلا بصورة اللحظة الأخيرة! لكن التاريخ السياسي لا يسير دائما في الطريق الذي ترسمه مكاتب التنظيم، أحيانا يعود من أقصته الجماعة في اللحظة التي تكتشف فيها الجماعة أنها أقصت جزءا من قوتها، وأحيانا تتحول محاولة محو الاسم إلى تمرين مجاني على تخليده، فالمنع قد يصنع الغياب، لكنه لا يصنع النسيان، بل قد يمنح الغائب فرصة لأن يقرأ خارج الرواية التي كانت المؤسسة تفرضها عليه .
لذلك، فإن عودة حسيسن إلى العرائش من باب أوسع ليست عودة جسد إلى مكان، بل عودة سؤال إلى مدينة، عودة تذكر الذين ترزقوا من السياسة، أو استفادوا من قربهم من مراكز القرار، بأن التاريخ لا يحفظ دائما أسماء المتقدمين في الصفوف الأولى، بل يحفظ أيضا أولئك الذين وقفوا في الجهة الصعبة، حيث لا تصفيق ولا ضمانات ولا مقاعد مضمونة! والتاريخ، في تطوره القاسي، كثيرا ما يتحرك من الجهة السيئة فيه، من الخلاف الذي جرى قمعه، ومن الصوت الذي اعتبر نشازا، ومن الشخص الذي قيل إن زمنه انتهى.
إن العبرة هنا ليست في أن حسيسن انتقل من حزب إلى حزب، فالأحزاب ليست طوائف مغلقة، والسياسي ليس أسيرا لاسم تنظيمي إلى الأبد، العبرة في أن السياسة، حين تفقد معناها العمومي، تتحول إلى ملكية خاصة تتوارثها مجموعات ضيقة، وحينها تصبح العودة نوعا من استرداد الحق في المجال العام، لا أحد يملك المدينة، ولا يملك الحزب، ولا يملك حق احتكار المستقبل، ومن يعتقد أن التنظيم حديقة خاصة، وأن المناضلين عمال موسميون يستدعون وقت الحاجة ثم يرمى بهم خارج السياج، إنما يراهن على ذاكرة الناس، وهي رهان خاسر مهما طال الزمن.
لقد كشفت هذه العودة أيضا هشاشة الصورة التي تحاول بعض النخب تسويقها عن الاستقرار السياسي، فالاستقرار ليس غياب الأصوات المعارضة داخل التنظيم، وليس صمت القواعد، وليس تصفيق المؤتمرات، الاستقرار الحقيقي هو قدرة المؤسسات على امتصاص الاختلاف دون تحويله إلى عداوة، وعلى معالجة تضارب المصالح دون دفنه تحت شعارات الوحدة، وعلى حماية القرار السياسي من أن يصبح تابعا لمنطق العقار والامتياز والوساطة، أما حين يختزل الحزب في شبكة مصالح، فإن كل عودة لشخصية مستقلة تصبح زلزالا، لأن الزلزال لا يصنعه العائد وحده، بل تصنعه التصدعات الموجودة تحت الأرض!
ولعل أقوى ما في عودة عبد الإله حسيسن أنها أعادت ترتيب السؤال! لم يعد السؤال: لماذا غاب؟ بل صار: لماذا كان غيابه ضروريا في نظر من أبعدوه؟ ولم يعد السؤال: إلى أي حزب عاد؟ ولم يعد السؤال: هل انتهى نفوذه؟ بل صار: كيف أمكن لشخص قيل إن تأثيره تراجع أن يظهر فجأة باعتباره عاملا حاسما في معركة داخلية كبرى؟، هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطب خشبية، بل إلى شجاعة سياسية، شجاعة الاعتراف بأن التنظيمات لا تتطهر بإخفاء خلافاتها، وأن المجتمع لا يخدع طويلا بالصور المصقولة، وأن الدولة نفسها لا تستفيد من أحزاب تتحول إلى واجهات بلا حياة داخلية، الدولة القوية لا تخاف من السياسة الحقيقية، الذي يخاف منها هو من يريد دولة بلا مساءلة، وأحزابا بلا قواعد، ومجتمعا بلا ذاكرة .
إن عبد الإله حسيسن، في عودته، لا يحمل فقط اسمه وسنواته الطويلة في العمل الحزبي، إنه يحمل معه معنى أوسع: أن السياسة قد تطرد أبناءها، لكنها لا تضمن اختفاءهم، وأن التنظيم قد يملك قرار الإبعاد، لكنه لا يملك قرار النسيان، وأن من يراهن على أن الناس لا ترى إلا ما يعرض عليها، يكتشف متأخرا أن المجتمع يقرأ ما بين السطور، ويقارن بين الخطاب والممارسة، ويعرف جيدا من كان يملك الشجاعة حين كان الصمت أكثر ربحا.
لقد عاد الطريد، لا ليستجدي مكانا في الصف، بل ليذكر الصف بأن المكان ليس ملكا لأحد، عاد لا ليطلب اعتذارا من الماضي، بل ليضع الحاضر أمام مرآته، عاد ليقول، بالفعل لا بالشعار، إن السياسة التي تبنى على الإقصاء لا تنتج إلا عودة أقوى للمقصيين، وإن من يظن أن التاريخ يسير دائما في الجهة التي يصفق لها المنتصرون لم يفهم التاريخ بعد، فالتاريخ قد يتأخر، وقد يلتوي، وقد يبدو في لحظة ما خادما لأصحاب القوة، لكنه يعود في النهاية ليسأل السؤال الذي تخشاه كل سلطة: من كان على حق، ومن كان فقط يملك المنصة؟
وعندما يصل هذا السؤال إلى العرائش، فإنه لا يطرق باب حزب بعينه فقط، بل يطرق أبواب الدولة والمجتمع معا، يذكر الدولة بأن السياسة لا تدار إلى الأبد بمنطق التحكم! ويذكر المجتمع بأن الصمت ليس حيادا دائما، ويذكر الأحزاب بأن المناضل الذي يقصى اليوم قد يصبح غدا مفتاحا لفهم ما عجزت القيادة عن فهمه، تلك هي المفارقة التي لا يريد تجار السياسة أن يروها: أن الطريد قد يعود، وأن العائد قد يفتح الطريق، وأن الذين ظنوا أنهم يكتبون نهاية الآخرين قد يكونون من حيث لا يشعرون، قد كتبوا الفصل الأول من عودتهم!.
