المغرب: بنكيران في قلب العاصفة الانتخابية.. من يملك مفاتيح الحشد في زمن «الغيطة والطبل»؟

الوطن24/ هيئة التحرير
مع اقتراب موعد الاقتراع التشريعي في 23 شتنبر 2026، يبدو أن الانتخابات المغربية دخلت أسبوعها الأكثر سخونة، ليس فقط بسبب الصراع على المقاعد، وإنما بسبب سؤال أكبر يفرض نفسه على المشهد: من لا يزال قادراً على تحريك الشارع سياسياً، وإقناع المواطن بأن الانتخابات ليست مجرد مهرجانات وصور وشعارات؟
في قلب هذا السؤال يقف عبد الإله ابن كيران.
الرجل الذي غادر رئاسة الحكومة منذ سنوات، والذي عاش حزبه واحدة من أقسى الهزات الانتخابية في تاريخ العدالة والتنمية سنة 2021، عاد في انتخابات 2026 إلى الواجهة بخطاب مباشر وحضور جماهيري لافت.
وهنا تحديداً تبدأ المفارقة.
كيف يستطيع حزب تراجع إلى 13 مقعداً فقط في انتخابات 2021، بعدما كان يتوفر على 125 مقعداً سنة 2016، أن يعيد تحريك جزء من قواعده وأنصاره بهذه السرعة؟
السؤال لا يعني أن الحشود تتنبأ بنتائج الصناديق، ولا أن حجم التجمعات يساوي عدد الأصوات.
لكنه يكشف عن ظاهرة سياسية تستحق القراءة.
بنكيران.. الحشود قبل الصناديق
رغم كل المؤاخذات والانتقادات التي يمكن أن توجه إلى ابن كيران أو إلى تجربة العدالة والتنمية، هناك معطى يصعب تجاهله: الرجل ما زال يمتلك قدرة واضحة على استقطاب جمهور واسع والتواصل معه مباشرة.
وفي الأيام الأخيرة، لم يكتف ابن كيران بالحديث عن البرنامج الانتخابي، بل جعل من محاربة شراء الأصوات والمال الانتخابي والاستقامة السياسية محاور متكررة في خطابه.
في وجدة، قال إن من يقدم المال للحصول على الأصوات يرتكب جريمة، وإن من يأخذ المال يبيع مستقبله ومستقبل أبنائه ووطنه، بحسب ما أورده الموقع الرسمي للحزب.
وفي جرسيف، تحدث عن «المعقول» والنزاهة، ودعا المواطنين إلى عدم بيع أصواتهم، وذهب إلى الدفاع عن صورة الحزب باعتباره يقدم مرشحين نزهاء، وهي مواقف ينبغي، بطبيعة الحال، قراءتها باعتبارها مواقف انتخابية صادرة عن قيادة الحزب وليست حكماً مستقلاً على جميع المرشحين.
أما في طنجة، فقد جعل يوم 23 شتنبر محطة لإنهاء ما وصفه بـ«التحكم» والفساد، ودعا إلى دعم حزبه، في خطاب انتخابي مباشر وواضح.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً:
هل ما زالت الكاريزما السياسية قادرة على صناعة الحشد، في وقت تحاول فيه أحزاب أخرى صناعة حضورها الانتخابي بأدوات مختلفة؟
في زمن «الغيطة والطبل».. من يخاطب المواطن مباشرة؟
المشهد الانتخابي المغربي تغير كثيراً.
اليوم هناك المهرجانات، والمنصات، ومواقع التواصل، والفيديوهات القصيرة، والإعلانات، واللافتات، والسيارات، ومختلف أدوات الاتصال السياسي.
لكن وسط هذه البهرجة كلها، يعود سؤال بسيط:
هل الحشد السياسي يصنعه المال والوسائل التنظيمية فقط، أم أن هناك أيضاً خطاباً قادراً على تحريك الناس؟
لا توجد، في المعطيات المتاحة، قاعدة تسمح بتحويل حجم أي تجمع انتخابي إلى عدد أصوات متوقعة، كما لا يمكن الجزم من الصور وحدها بأن حضور الجمهور تم دون أي مقابل.
لكن يمكن تسجيل شيء آخر:
ابن كيران ما زال قادراً على خلق مشهد جماهيري وإعلامي يجعل حزبه حاضراً بقوة في النقاش العام.
وهذا وحده معطى سياسي لا ينبغي تجاهله.
من «المصباح» إلى اختبار الذاكرة
لكن العدالة والتنمية لا يدخل انتخابات 2026 بذاكرة بيضاء.
فالحزب قاد الحكومة منذ 2011، وتصدر انتخابات 2016 بـ125 مقعداً، قبل أن يتراجع بشكل حاد في انتخابات 2021 إلى 13 مقعداً فقط. وهذه أرقام رسمية منشورة لدى مجلس النواب المغربي.
لذلك، فإن عودة ابن كيران لا تعني فقط عودة زعيم سياسي إلى المنصة.
إنها أيضاً عودة تجربة كاملة إلى ذاكرة الناخب المغربي.
فالناخب يستطيع أن يسأل الحزب:
ماذا فعلتم عندما كنتم في الحكومة؟
ماذا تغير خلال سنوات وجودكم في السلطة؟
لماذا حصل التراجع الكبير سنة 2021؟
وماذا تغير اليوم حتى تطلبوا من المواطن إعادة الثقة؟
وفي المقابل، يستطيع الحزب أن يطرح على الناخب أسئلته الخاصة حول أداء الحكومة الحالية وحصيلة السنوات الخمس الماضية.
وهنا تتحول الانتخابات إلى مواجهة بين الذاكرة والحاضر.
النزاهة.. أقوى ورقة أم أصعب امتحان؟
ربما أكثر ما يميز خطاب العدالة والتنمية في الحملة الحالية هو وضع النزاهة ومحاربة شراء الأصوات في قلب الخطاب.
الحزب سبق أن أعلن مواقف تدعو إلى نزاهة الانتخابات ومحاربة تضارب المصالح واستغلال النفوذ، كما نشر برنامجاً انتخابياً رسمياً خاصاً بتشريعيات 2026.
لكن رفع شعار النزاهة يخلق في الوقت نفسه مسؤولية إضافية.
فمن يقول للناخب: لا تبع صوتك، يصبح مطالباً بأن يضع مرشحيه تحت الاختبار نفسه.
ومن يتحدث عن المال العام، عليه أن يقبل مساءلته عن تجربته السابقة.
ومن يرفع شعار «المعقول»، عليه أن يشرح للمواطن كيف سيتحول هذا الشعار إلى سياسات وبرامج وأرقام وقرارات.
هنا فقط ينتقل الخطاب من المهرجان إلى الامتحان الحقيقي.
لا يكفي أن تكون لديك حشود
الحشود مهمة في السياسة، لكنها ليست صناديق اقتراع.
والعدالة والتنمية يعرف ذلك جيداً.
فالحزب الذي حصد 125 مقعداً في 2016 لم يمنع حضوره التنظيمي والسياسي من الوصول إلى 13 مقعداً بعد خمس سنوات.
ولهذا، فإن السؤال في 2026 ليس:
كم شخصاً حضر مهرجان ابن كيران؟
بل:
كم من هؤلاء سيشارك فعلاً في الاقتراع؟ وما العوامل التي ستحدد اختياره؟
هنا فقط يصبح الحديث عن الانتخابات حديثاً عن أرقام، لا عن صور.
«عطيوني حزب واحد».. السؤال الذي يفرض نفسه
ربما تكون أكثر نقطة إثارة في المشهد الحالي هي المقارنة بين القدرة على التعبئة.
ليس المطلوب أن نقول إن حزباً معيناً أفضل من حزب آخر، ولا أن نحول التجمعات إلى مسابقة في الشعبية.
لكن من حق المتابع أن يسأل:
كم حزباً مغربياً يستطيع اليوم أن يخلق تجمعات جماهيرية بهذا الحجم اعتماداً على خطاب سياسي مباشر وشخصية سياسية معروفة، بعد سنوات من وجوده خارج الحكومة؟
قد تختلف الإجابات.
لكن المؤكد أن ظاهرة ابن كيران لم تختفِ.
قد يحب البعض خطابه، وقد يختلف معه آخرون جذرياً، وقد يعتبره فريق ثالث جزءاً من مرحلة سياسية سابقة.
لكن الرجل، في هذه الحملة، نجح في إعادة نفسه وحزبه إلى مساحة واسعة من النقاش السياسي.
وهذه حقيقة اتصالية، وليست حكماً انتخابياً.
ابن كيران لا يطلب فقط أصواتاً.. بل يستعيد معركة «المعقول»
في جرسيف، قال ابن كيران إن 23 شتنبر ينبغي أن يكون موعداً لـ«تصحيح التاريخ» وإعادة العدالة والتنمية إلى المكانة التي يستحقها، بينما دعا في خطاب آخر الناخبين إلى مواجهة من «يكذب» عليهم أو يقدم المال مقابل أصواتهم.
هذا الخطاب يحمل رسالة سياسية واضحة:
المعركة بالنسبة إليه ليست فقط على المقاعد، وإنما على معنى السياسة نفسها.
وهنا تكمن جاذبية الخطاب بالنسبة إلى أنصاره.
لكن في المقابل، فإن هذه الرسالة تضع الحزب أمام سؤال مضاد:
هل يمكن استعادة الثقة بالشعارات وحدها، أم أن الناخب سيضع تجربة الأمس وبرنامج اليوم والمرشحين أمام الميزان نفسه؟
الصندوق وحده سيضع النقطة الأخيرة
في النهاية، لا الحشود ولا المنصات ولا مكبرات الصوت تستطيع أن تحسم نتيجة الانتخابات مسبقاً.
الصندوق هو الذي سيحدد حجم التمثيلية البرلمانية لكل حزب.
لكن قبل أن تصل صناديق الاقتراع إلى لحظة الحسم، هناك ظاهرة سياسية تستحق التوقف عندها:
عبد الإله ابن كيران، رغم كل ما يحيط بتجربته من نقاش وانتقاد، ما زال قادراً على صناعة حضور جماهيري وسياسي يصعب تجاهله.
وهذا لا يعني أنه سيحصل على نتيجة معينة.
ولا يعني أن خطابه يمثل جميع المغاربة.
ولا يعني أن تجربة العدالة والتنمية أصبحت خارج المساءلة.
بل يعني ببساطة أن الحزب عاد إلى المنافسة وهو يحمل معه شيئاً فقدته أحزاب كثيرة: القدرة على خلق علاقة مباشرة بين المنصة والجمهور.
ويبقى السؤال الأكبر:
هل تكفي هذه القدرة على الحشد لاستعادة الثقة، أم أن الناخب المغربي سيبحث هذه المرة عن شيء أبعد من الحشود والخطابات؟
في 23 شتنبر، ستتوقف المهرجانات، وستغلق المنصات، وستنتهي «الغيطة والطبل»…
وعندها فقط ستتكلم صناديق الاقتراع.
