المغـرب: تقبيل الرؤوس والعناق في الحملات الانتخابية… هل أصبح التواضع موسميّاً؟

وأنا أتابع التحركات الميدانية التي تقوم بها عدد من الأحزاب السياسية في المغرب، خلال المرحلة الانتخابية، استوقفتني مشاهد لافتة تستحق التأمل والنقاش. وزراء ووجوه سياسية يظهرون وهم يجلسون إلى جانب المواطنين البسطاء، ويتبادلون معهم التحية والعناق، ويحرص بعضهم على تقبيل الرؤوس والاستماع إلى مطالب السكان في القرى والبوادي والمناطق المهمشة.

مشاهد قد تعكس رغبة في التواصل المباشر مع المواطنين، لكنها تطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام تواضع مستمر في ممارسة المسؤولية، أم أن القرب من المواطن يشتد حضوره مع اقتراب موعد الانتخابات؟

لا عيب في أن يجلس المسؤول إلى جانب المواطن، أو يصافحه، أو يستمع إلى مطالبه، بل إن التواصل المباشر مع السكان ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من العمل السياسي وتدبير الشأن العام.

غير أن ما يستحق النقاش هو مدى استمرارية هذا التواصل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسؤولين سبق لهم تحمل مسؤوليات حكومية أو سياسية.

فهل يظل باب التواصل مفتوحاً بعد انتهاء الانتخابات؟ وهل يجد المواطن المسؤول نفسه حاضراً عندما يحتاج إلى توضيح أو تدخل أو متابعة ملف اجتماعي أو تنموي؟

إن قيمة المسؤول لا تُقاس فقط بقدرته على الاقتراب من المواطنين خلال التجمعات والزيارات، وإنما أيضاً بمدى استعداده للاستماع إليهم ومتابعة قضاياهم خارج المواسم الانتخابية.

تلفت الانتباه، في بعض المشاهد الانتخابية، المفارقة بين مظاهر الرفاهية التي يظهر بها بعض السياسيين، وبين الظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيشها عدد من المواطنين.

لكن امتلاك سيارة فاخرة أو هاتف حديث أو ارتداء ملابس ثمينة لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على أي مخالفة أو تقصير. فالنقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينصب على المظاهر الشخصية، بل على مدى انسجام الخطاب السياسي مع الأولويات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

فالمواطن الذي ينتظر تحسين الخدمات الصحية، أو توفير فرص الشغل، أو إصلاح الطرق، أو ضمان خدمات أساسية، يحتاج إلى أجوبة واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ، وليس إلى وعود عامة يصعب تقييمها.

ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن تحويل التواصل الانتخابي إلى التزامات عملية تستجيب للاحتياجات الحقيقية للسكان؟

تكتسي الزيارات الميدانية إلى القرى والبوادي والمناطق المهمشة أهمية خاصة، لأنها تتيح للمسؤولين والمرشحين الاطلاع على واقع السكان والاستماع إلى انشغالاتهم.

غير أن هذه الزيارات تطرح تساؤلات حول استمرارية الاهتمام بهذه المناطق، ومدى انعكاسه على السياسات العمومية والمشاريع التنموية.

هل ستظل مطالب السكان حاضرة في برامج الأحزاب بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية؟ وهل ستتم متابعة الالتزامات التي تُطرح خلال اللقاءات الميدانية؟

كما أن التواصل السياسي ينبغي أن يفتح المجال أمام المواطنين، بمختلف فئاتهم ومستوياتهم التعليمية والاجتماعية، للتعبير عن آرائهم ومناقشة البرامج وطرح الأسئلة.

فالمواطن ليس مجرد مستمع إلى خطاب انتخابي، بل شريك في النقاش العمومي، ومن حقه أن يطلب توضيحات بشأن الوعود والبرامج والحصائل.

مع تعدد اللقاءات والخطابات الانتخابية، تتجدد الوعود المتعلقة بالتنمية والتشغيل وتحسين الخدمات والعدالة المجالية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن للناخب أن يميز بين الوعود العامة والالتزامات الواقعية؟

من حق المواطنين أن يسألوا المرشحين عن طبيعة المشاريع المقترحة، وإمكانية تمويلها، والمدة الزمنية المتوقعة لتنفيذها، والجهات المسؤولة عن تتبعها.

كما أن من حقهم الاطلاع على حصيلة المسؤولين والمنتخبين الذين سبق لهم تدبير الشأن العام، ومقارنة ما أعلنوا عنه سابقاً بما تحقق فعلياً، استناداً إلى معطيات واضحة وموثوقة.

إن مصداقية الخطاب الانتخابي لا تُبنى على قوة الكلمات أو حرارة اللقاءات، بل على وضوح الالتزامات وإمكانية تتبع تنفيذها ومساءلة أصحابها بشأنها.

تُعد الانتخابات محطة أساسية في الحياة الديمقراطية، لأنها تتيح للمواطنين اختيار ممثليهم وممارسة حقهم في المشاركة السياسية.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية احترام القواعد المنظمة للحملات الانتخابية، وضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز الشفافية، والتعامل مع أي شكايات أو مخالفات محتملة وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

ولا يصح إصدار أحكام مسبقة بشأن نزاهة الانتخابات أو التشكيك في نتائجها دون أدلة ومعطيات موثوقة. غير أن من المشروع التأكيد على أهمية اليقظة والمراقبة، وعلى ضرورة تمكين المواطنين من التعبير عن اختياراتهم بحرية.

كما تظل مسؤولية الأحزاب والمرشحين قائمة في تقديم برامج واضحة، واحترام قواعد المنافسة، والابتعاد عن كل خطاب من شأنه تضليل الناخبين أو تقديم وعود لا تستند إلى معطيات واقعية.

أمام هذه التحركات والمشاهد الانتخابية، يبرز عدد من الأسئلة التي تستحق أن تكون حاضرة في النقاش العمومي:

إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف شخصاً بعينه أو حزباً محدداً، بل يندرج ضمن حق المجتمع في النقاش والمساءلة، وضمن الدور الذي تضطلع به الصحافة في متابعة الشأن العام.

في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية المشهد الانتخابي في عدد الصور المتداولة، أو في مظاهر العناق وتقبيل الرؤوس، بل في ما إذا كان هذا التواصل سيترجم إلى عمل مستمر يستجيب لانتظارات المواطنين.

فلا أحد يعارض أن يجلس المسؤول إلى جانب المواطن أو يستمع إلى مشاكله، بل إن ذلك يعكس جانباً مهماً من التواصل الإنساني والسياسي. لكن الأهم هو أن يستمر هذا القرب بعد انتهاء الانتخابات، وأن يجد المواطن الأبواب مفتوحة أمامه عندما يحتاج إلى المسؤول.

إن سكان القرى والبوادي والمناطق المهمشة لا ينتظرون فقط زيارات انتخابية، بل يتطلعون إلى تنمية ملموسة، وخدمات أساسية، وفرص متكافئة، ومؤسسات تستمع إلى مطالبهم وتتابعها.

سؤال مفتوح أمام الأحزاب والمرشحين والمسؤولين، والأجوبة الحقيقية لن تكون في الخطابات وحدها، بل في الحصيلة والإنجاز واستمرارية التواصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *