المغرب: من الغيطة والطبل إلى ذاكرة الناخب.. أين تختفي الوجوه البرلمانية حين تشتد الأزمات؟

وأنا أتابع مجريات الحملات الانتخابية بالمغرب عامة، وبمنطقة الغرب على وجه الخصوص، لا أخفي دهشتي مما يقع في بعض المشاهد الانتخابية التي باتت تثير أكثر من علامة استفهام حول طبيعة الخطاب السياسي الموجه إلى المواطنين، ومدى استحضار بعض المرشحين لجوهر العملية الديمقراطية.

الغيطة والطبل والهيت والشطيح والرديح… أجواء احتفالية صاخبة، وحشود تتحرك على إيقاع الموسيقى، ومرشحون يتسابقون إلى كسب الأنظار واستمالة الناخبين. لكن وسط هذا الضجيج، يبرز سؤال جوهري: أين البرامج الانتخابية؟ وأين الخطابات السياسية الجادة؟ وأين النقاش الحقيقي حول مستقبل المغرب وانتظارات المواطنين؟

هل تحولت بعض الحملات الانتخابية إلى مهرجانات للفرجة، بينما تراجعت البرامج والتعهدات إلى الصفوف الخلفية؟ وهل أصبح الوصول إلى المقعد البرلماني غاية في حد ذاته، بدل أن يكون وسيلة لخدمة المواطنين والدفاع عن قضاياهم؟

أيها الناخب، وأنت تتابع اليوم هذه الوجوه التي تتسابق نحو المقعد البرلماني، تذكّر أن العلاقة بين المواطن وممثله لا ينبغي أن تبدأ مع انطلاق الحملة الانتخابية، ولا أن تنتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

تذكّر تلك اللحظات التي كنت فيها في حاجة إلى من يستمع إليك، أو يتابع ملفاً إدارياً، أو يتدخل من أجل إيصال صوتك إلى الجهات المعنية.

كم مرة حاول مواطنون الاتصال بممثلين عنهم، فلم يجدوا جواباً؟ وكم مرة قصدوا مكاتب بعض المسؤولين المنتخبين، بحثاً عن الإنصات أو التوجيه أو المساعدة، فعادوا بخيبة أمل؟

هذه أسئلة لا يجوز تحويلها إلى اتهامات عامة دون أدلة، لكنها تظل مشروعة حين يتعلق الأمر بتقييم أداء المؤسسات التمثيلية، وبحق المواطنين في معرفة مدى تجاوب ممثليهم مع انتظاراتهم.

فالمواطن الذي يمنح صوته لمرشح، لا يبحث فقط عن صورة تذكارية أو وعد انتخابي عابر، بل ينتظر علاقة مستمرة قوامها التواصل والإنصات والترافع عن المصالح العامة.

ولعل الأزمات والكوارث الطبيعية من أكثر اللحظات التي تكشف أهمية الحضور الميداني والمسؤولية السياسية.

حين تضرب الفيضانات منطقة ما، وتغمر المياه المنازل والطرقات، وتتضرر ممتلكات المواطنين، وتجد الأسر نفسها أمام ظروف صعبة، يصبح السؤال عن الحضور والتضامن والترافع سؤالاً مشروعاً وملحاً.

أين كان ممثلو السكان خلال تلك اللحظات؟ من تابع أوضاع المتضررين؟ من نقل مطالبهم إلى الجهات المختصة؟ ومن واصل متابعة الملفات بعد انحسار المياه وانتهاء الاهتمام الإعلامي؟

لا يتعلق الأمر بافتراض غياب جميع المنتخبين، ولا بإطلاق أحكام دون التحقق من الوقائع، وإنما بضرورة توثيق ما جرى، ومعرفة من حضر، ومن تدخل، وما الذي تحقق على أرض الواقع.

فالعمل التمثيلي لا يُقاس فقط بما يقال فوق المنصات الانتخابية، بل أيضاً بما يُنجز في الأوقات التي يكون فيها المواطن في أمسّ الحاجة إلى من ينقل معاناته ويدافع عن حقوقه.

إن استحضار الأزمات السابقة ليس دعوة إلى استغلال معاناة المتضررين انتخابياً، بل هو تذكير بأن المسؤولية العامة تقتضي الاستمرارية، وأن ذاكرة المواطنين جزء أساسي من تقييم الأداء السياسي.

مشاهد الاحتفال قد تمنح الحملة الانتخابية أجواء من الحماس، لكن هل تكفي وحدها للإجابة عن الأسئلة التي تؤرق الأسر المغربية؟

هل يكفي الشطيح والرديح لتوفير فرص الشغل للشباب؟ وهل تستطيع الغيطة والطبل معالجة مشاكل الصحة والتعليم؟ وهل ستختفي معاناة المواطنين مع الإدارة بمجرد انتهاء الحملة الانتخابية؟

في منطقة الغرب، كما في مناطق أخرى من المغرب، تظل انتظارات الساكنة مرتبطة بقضايا ملموسة: تحسين الخدمات الصحية، وتوفير فرص العمل، وتأهيل البنية التحتية، وتحقيق العدالة المجالية، والاستجابة لمطالب المواطنين.

ومن حق الناخب أن يسأل المرشح عن تصوراته العملية بشأن هذه الملفات، وعن حدود صلاحياته البرلمانية، وعن الوسائل التي سيعتمدها للترافع والمراقبة والتشريع.

فليس كل مشكل محلي من اختصاص البرلماني وحده، لكن من حق المواطنين أن يعرفوا ما الذي يستطيع القيام به، وما الذي لا يدخل ضمن صلاحياته، وكيف سيعمل على إيصال مطالبهم إلى المؤسسات المعنية.

إن الذاكرة الانتخابية ليست مجرد استحضار للصور والأسماء، بل هي وسيلة لمقارنة الوعود بالنتائج، والتعهدات بالحصيلة، والخطاب بالممارسة.

أيها الناخب، تذكّر ما سمعته في الاستحقاقات السابقة، وما قُدم لك من وعود، وما تحقق منها بالفعل. استحضر الملفات التي ظلت معلقة، والأسئلة التي لم تجد جواباً، والمشاكل التي ما زالت تنتظر حلولاً.

لكن تذكّر أيضاً أن التقييم العادل يقتضي التمييز بين ما يدخل ضمن صلاحيات المنتخب، وما يعود إلى مسؤولية الحكومة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات الأخرى، وبين الوعود التي لم تُنفذ لأسباب موثقة، وتلك التي لم تكن قابلة للتحقيق منذ البداية.

فالمحاسبة السياسية لا تقوم على الانطباعات وحدها، بل على الوقائع والحصيلة والالتزامات المعلنة.

ومن حق المواطن أن يطلب من كل مرشح تقديم برنامج واضح، بأهداف قابلة للتتبع، وجدول زمني واقعي، وتوضيح للوسائل التي سيعتمدها لتنفيذ ما يلتزم به.

إن المقعد البرلماني ليس جائزة في مهرجان، ولا امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية تمثيلية تقتضي الدفاع عن مصالح المواطنين، والمساهمة في التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، والترافع عن القضايا التي تهم الدائرة الانتخابية.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل حملة انتخابية هو: ماذا سيقدم المرشح بعد الفوز؟

هل سيظل مكتبه مفتوحاً أمام المواطنين؟ كيف سيتواصل معهم؟ كيف سيعلن عن حصيلته؟ وما الآليات التي سيتيحها للساكنة من أجل تتبع التزاماته ومساءلته؟

إن المواطن لا يحتاج إلى وعود فضفاضة، بل إلى أجوبة واضحة، ولا يحتاج إلى حضور انتخابي مؤقت، بل إلى تمثيل مسؤول ومستمر.

وفي خضم هذا النقاش، لا يمكن إغفال خطورة أي ممارسات محتملة لشراء الأصوات أو استغلال الهشاشة الاجتماعية لاستمالة الناخبين.

فصوت المواطن ليس سلعة، وكرامته ليست موضوعاً للمساومة، والفقر لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق مكاسب انتخابية.

وأي ادعاء بشأن شراء الأصوات يجب أن يخضع للتحقق والتوثيق، مع احترام قرينة البراءة وعدم توجيه اتهامات غير مثبتة إلى أشخاص أو جهات بعينها.

إن حماية نزاهة الاختيار الانتخابي مسؤولية مشتركة، تتطلب احترام القانون، واليقظة، والشفافية، وتوفير الظروف التي تتيح للمواطن التعبير عن اختياره بحرية.

في الوقت الذي يتطلع فيه المغرب إلى مزيد من التقدم والازدهار، يظل من المشروع التساؤل عن مستوى الخطاب الانتخابي، وعن مدى قدرته على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها البلاد.

فهل تعكس بعض الحملات الصاخبة حجم التحديات التي تواجه المواطنين؟ وهل يجد الشباب في البرامج الانتخابية أجوبة عن أسئلتهم بشأن الشغل والمستقبل؟ وهل تُمنح قضايا المناطق المهمشة المكانة التي تستحقها في النقاش السياسي؟

إن المغرب في حاجة إلى منافسة انتخابية تُبرز البرامج والأفكار، وتتيح للمواطنين مناقشة المرشحين حول حصيلتهم والتزاماتهم، بعيداً عن اختزال السياسة في الفرجة أو الشعارات.

إن المواطن المغربي يستحق خطاباً يحترم عقله، وبرامج تستجيب لانتظاراته، وممارسة سياسية تجعل المسؤولية مستمرة قبل الانتخابات وبعدها.

ومن حقه أن يسأل كل مرشح: أين كنت حين احتجت إليك؟ ماذا فعلت من أجل الملفات التي تهمني؟ وما الذي ستقدمه مستقبلاً؟ وكيف سأتمكن من محاسبتك على ما تلتزم به اليوم؟

هذه ليست أسئلة عدائية، بل هي جوهر العلاقة بين المواطن وممثليه، وأساس أي ممارسة ديمقراطية قائمة على المسؤولية والشفافية.

ويبقى السؤال الذي نضعه أمام المرشحين والناخبين على حد سواء:

إن ذاكرة المواطن ليست تفصيلاً عابراً في المشهد الانتخابي، بل هي جزء من حقه في المساءلة، ومن حقه في معرفة من يمثله، وكيف يمثله، وماذا تحقق من الوعود التي قُدمت إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *