رؤساء جماعات يسقطون واحداً تلو الآخر: هل هي حرب على الفساد أم إعادة ترتيب الكراسي ؟

الوطن24/عبد الكبير بلفساحي 

منذ مدة ليست ببعيدة، تتوالى الإقالات والاستقالات والعزل لعدد من رؤساء الجماعات بالمغرب، ما أثار موجة من التساؤلات حول ما إذا كانت هذه السقوطات المتلاحقة تعبيراً عن إرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد، أم أنها مجرد محاولة لإعادة ترتيب الكراسي داخل قصر الفاسدين، عبر التضحية ببعض الرؤوس، فيما تبقى المنظومة المتهالكة على حالها، تُديرها الأيادي ذاتها خلف الستار؟

التقارير الأخيرة الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، والمفتشيات المركزية، كشفت عن فظائع مالية وإدارية طالت عشرات الجماعات الترابية. أموال عمومية أُهدرت، ومشاريع وهمية وُقّعت، وعقود مليئة بالثغرات القانونية، وكل هذا يحدث وسط صمت مُطبق من قبل الجهات الوصية، التي لا تتحرك إلا بعد أن تصبح “الرائحة” تزكم الأنوف، ويتم تدارك الأمر بعزل هنا وإقالة هناك. لكن، هل هذا هو الحل؟

الواقع أن هذه الخطوات، وإن بدت على السطح كأنها حملة تطهير، إلا أنها تفتقر إلى العنصر الأساسي لأي عملية إصلاحية حقيقية , والمحاسبة الفعلية. فكيف يمكن لعملية تنظيف أن تتم دون أن يتم اقتلاع الفساد من جذوره، ومعاقبة كل من ساهم في تقويض المال العام؟ وهل يمكن لهذه الإجراءات أن تقنع الرأي العام بجدية ما يسمى بـ”محاربة الفساد”، بينما يعود بعض المُقالين إلى الواجهة بطرق أخرى، وفي مواقع مختلفة، وكأن شيئاً لم يكن؟

إن المواطن المغربي يقف حائراً أمام هذه التحركات، فإما أننا أمام محاولة لتلميع صورة الحكومة من خلال تقديم بعض الرؤوس كقرابين للرأي العام، أو أن هناك حرباً سياسية تُدار في الخفاء لتصفية الحسابات وإزاحة منافسين أصبحوا يشكلون عبئاً سياسياً. وإذا كان الأمر كذلك، فإننا أمام إعادة تمثيل لسيناريوهات قديمة، حيث تُغيّر الوجوه، وتظل الجذور الفاسدة في مكانها، بل وتزداد قوةً وتغلغلاً.

وما يزيد الأمر التباساً هو غياب أي متابعة قضائية حقيقية أو استرجاع للأموال المنهوبة. فالمتتبع للمشهد يرى كيف تتم الإطاحة برؤساء جماعات بتهم واضحة ومثبتة، لكن دون أن تُفتح تحقيقات جادة تُفضي إلى مساءلة قانونية، أو استعادة الأموال المسلوبة من خزانة الدولة. وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان الأمر يتعلق بمحاربة الفساد، فلماذا لا يُزج بهؤلاء في السجون كما يحدث في البلدان التي تحترم شعوبها؟ وإذا لم يكن كذلك، فهل نحن أمام مجرد مسرحية جديدة، تُغيّر الوجوه دون تغيير السيناريو؟

إن الحديث عن محاربة الفساد يصبح عبثياً إذا لم يرتبط بإجراءات صارمة، تحاسب المفسدين وتقطع دابر التلاعب بالمال العام. ولكن يبدو أن منطق “عفا الله عما سلف” لا يزال سيد الموقف، وأن تطهير الجماعات لا يعدو كونه إعادة ترتيب للمقاعد، وإقصاء لبعض الأسماء التي استنفدت أدوارها، لتستمر اللعبة السياسية بممثليها الجدد، بينما يظل المواطن المغربي ضحية هذا العبث المنظم، يتابع سقوط الرؤساء واحداً تلو الآخر، دون أن يلوح في الأفق أملٌ لتغيير حقيقي.

فهل نحن حقاً أمام بداية عهد جديد لمكافحة الفساد؟ أم أن ما يجري ليس إلا فصلاً آخر من فصول مسرحية “إعادة تدوير الفاسدين”؟