هل نحن أمام نهاية «توافق واشنطن»؟ البنك الدولي وعودة الدولة في عالم يتجه نحو التشظي

الوطن24/ بقلم: عبد السلام الصديقي*
أثار البنك الدولي قدراً كبيراً من الدهشة عندما نشر في مارس الماضي تقريره المعنون «السياسة الصناعية من أجل التنمية: مقاربات القرن الحادي والعشرين». فالمؤسسة التي ظلت لعقود طويلة تدافع عن تحرير الاقتصادات، وتدعو إلى الخصخصة وتقليص الدور الاقتصادي للدولة، تبدو اليوم وكأنها تعيد الاعتبار للتدخل العمومي وللسياسة الصناعية.
وقد ذهب بعض المعلقين إلى تشبيه هذا التحول بما لو أعلنت الحكومة الأمريكية فجأة أن الدهون والكوليسترول ليسا ضارين بالصحة، بعد عقود من التوصيات التي كانت تحذر منهما. والمقارنة، وإن بدت استفزازية، فإنها تعكس حجم المفاجأة التي أثارها الخطاب الجديد للبنك الدولي.
غير أن الأمر لا يتعلق بانقلاب عقائدي أو بتراجع عن المبادئ السابقة، بقدر ما يعكس حقيقة بسيطة مفادها أن العالم هو الذي تغير، فاضطر البنك الدولي إلى مراجعة مقاربته.
لقد تغير العالم بالفعل. فعلى مدى ما يقرب من أربعة عقود، هيمنت على الفكر الاقتصادي مجموعة من المبادئ التي عُرفت باسم «توافق واشنطن»، وقوامها تحرير التجارة، وإزالة القيود التنظيمية، والانضباط المالي، والخصخصة، والثقة المطلقة في قدرة الأسواق على تخصيص الموارد بكفاءة. وقد شكلت هذه المبادئ مرجعاً للسياسات الاقتصادية في عدد كبير من البلدان النامية.
غير أن هذا التوافق بلغ اليوم حدوده القصوى، ليس لأن اقتصاد السوق قد فشل، وإنما لأن السياق الدولي الذي أفرزه قد تغير جذرياً.
فجائحة كوفيد-19، واضطرابات سلاسل التوريد، والحرب في أوكرانيا، والتوترات التجارية والطاقية، والتنافس التكنولوجي، وتصاعد الصراعات الجيوسياسية، كلها عوامل أعادت إلى الواجهة مفاهيم كان يُعتقد أنها أصبحت من الماضي، مثل السيادة الاقتصادية، والاستقلال الاستراتيجي، والقدرة على الصمود، والسياسة الصناعية.
العولمة لم تنته، لكنها بصدد التحول. فنحن ننتقل تدريجياً من عولمة كانت تحكمها اعتبارات الكفاءة الاقتصادية وحدها، إلى عولمة أصبحت فيها اعتبارات الأمن الاقتصادي والسيادة التكنولوجية والمرونة الاستراتيجية ذات أهمية مماثلة.
وتجسد المنافسة الأمريكية-الصينية هذا التحول بوضوح. فالاقتصاد عاد ليصبح أداة من أدوات القوة والنفوذ، وأصبحت أشباه الموصلات والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي والبطاريات والتكنولوجيات الخضراء في قلب الصراع الاستراتيجي العالمي.
كما أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لا تفعل سوى تسريع مسار كان قد بدأ بالفعل. فسياسات إعادة توطين الصناعات، وفرض الرسوم الجمركية، والقيود التكنولوجية، والدعم الحكومي السخي للصناعات الاستراتيجية، تؤكد أن الولايات المتحدة باتت تعطي للأمن الاقتصادي المكانة نفسها التي تعطيها لكفاءة الأسواق.
ومن جهة أخرى، يساهم صعود الجنوب العالمي في إعادة تشكيل النظام الدولي. فالتوسع الذي تعرفه مجموعة «بريكس»، وتنويع الشراكات الاقتصادية والمالية، وظهور مؤسسات جديدة لتمويل التنمية، كلها مؤشرات على بروز عالم أكثر تعددية في مراكز القوة.
وهذه التحولات ليست سابقة في التاريخ. ففي القرن التاسع عشر كانت بريطانيا، بعد أن أصبحت القوة الصناعية الأولى في العالم، أبرز المدافعين عن التجارة الحرة. وبعد الحرب العالمية الثانية، حملت الولايات المتحدة المشعل وجعلت من انفتاح الأسواق أساس النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
أما الصين فقد استفادت إلى أقصى حد من الانفتاح الاقتصادي والعولمة، لتصبح خلال بضعة عقود القوة الصناعية الأولى في العالم، وتفرض هيمنتها على عدد من الصناعات الاستراتيجية.
والمفارقة اليوم أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر ميلاً إلى الحمائية، بينما تقدم الصين نفسها مدافعاً عن التجارة الحرة. وهذه المفارقة ليست عرضية، بل تعكس حقيقة ثابتة في التاريخ الاقتصادي: فالقوى المهيمنة تدافع عن الانفتاح ما دام يخدم مصالحها، لكنها تعيد اكتشاف فضائل الحماية عندما تشعر بأن تفوقها مهدد.
وقد عبر الاقتصادي الألماني فريدريش ليست عن هذه الفكرة منذ القرن التاسع عشر عندما انتقد بريطانيا لأنها دعت إلى التجارة الحرة بعد أن بنت قوتها الصناعية في ظل الحماية الجمركية. وبعد أكثر من قرن، أعاد الاقتصادي الكوري الجنوبي ها-جون تشانغ طرح الفكرة نفسها، متهماً البلدان المتقدمة بأنها تسعى إلى «سحب السلم» بعد أن وصلت إلى القمة.
في هذا السياق الجديد ينبغي قراءة تقرير البنك الدولي. فالمؤسسة لا تدعو إلى العودة إلى الاقتصاد الموجه ولا إلى التخلي عن اقتصاد السوق، بل تدافع عن دولة أكثر كفاءة وقدرة على تحديد رؤية استراتيجية، ودعم الابتكار، والاستثمار في الرأسمال البشري، وتهيئة الظروف الملائمة للمبادرة الخاصة.
لقد تجاوز النقاش اليوم ثنائية «السوق وحده» أو «الدولة وحدها». فالتجربة الدولية تؤكد أنه لا يوجد بلد حقق تنمية مستدامة بفضل السوق وحده، كما لم ينجح أي بلد اعتماداً على تدخل الدولة وحده.
إن قصص النجاح الكبرى قامت على تكامل ذكي بين دولة استراتيجية وقطاع خاص ديناميكي.
فالسوق يظل الآلية الأكثر فعالية لإنتاج الثروة وتحفيز الابتكار والاستجابة لحاجات المستهلكين، في حين تبقى الدولة فاعلاً لا غنى عنه للاستثمار في التعليم والصحة والبحث العلمي والبنيات التحتية، وضمان المنافسة العادلة، والاستعداد لمتطلبات المستقبل.
ويهم هذا النقاش المغرب بشكل مباشر. فالاختيارات التي تبناها خلال العقدين الأخيرين في مجالات السياسة الصناعية، والانتقال الطاقي، والحماية الاجتماعية، والسيادة الغذائية، وتنويع الشراكات الدولية، تندرج ضمن هذا التحول العميق الذي يشهده الفكر الاقتصادي العالمي.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توسيع تدخل الدولة فحسب، لأن الدولة الاستراتيجية لا تُعلن بقرار إداري، بل تُبنى تدريجياً. ومصداقيتها تتوقف على جودة المؤسسات، وفعالية الإدارة، وكفاءة الرأسمال البشري، والقدرة على تقييم السياسات العمومية وتصحيح اختلالاتها.
إن التاريخ يذكرنا بحقيقة بسيطة: لا الدولة تستطيع أن تفعل كل شيء، ولا السوق قادر على تنظيم كل شيء. وبين هذين النقيضين توجد طريق ثالثة أكثر صعوبة، لكنها أكثر جدوى، قوامها إقامة تكامل ذكي وخلاق بين السلطة العمومية والمبادرة الخاصة.
ومن هذه الزاوية، فإن تقرير البنك الدولي لا يعلن فقط عودة الدولة، بل ربما يؤشر إلى دخول العالم مرحلة جديدة تعيد فيها اعتبارات القوة والسيادة والمرونة رسم قواعد الاقتصاد العالمي. وبالنسبة لبلدان مثل المغرب، فإن التحدي لا يكمن في الاختيار بين الدولة والسوق، بل في بناء مؤسسات قادرة على جعل الاثنين يعملان في تناغم، خدمةً للسيادة الوطنية والتنافسية الاقتصادية وتحسين مستوى عيش المواطنين.
*عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق
