سيارات الدولة… حين تتحوّل “الضرورة الإدارية” إلى عبء صامت على جيوب المغاربة

الوطن24/ خاص
في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات ترشيد النفقات، وتُسوَّق فيه خطابات “العقلنة” و“الاستهداف”، تمرّ بعض القرارات التدبيرية بهدوء لافت، دون أن تثير ما تستحقه من نقاش عمومي. من بينها، صفقات اقتناء السيارات الإدارية، التي تحوّلت، في السنوات الأخيرة، من مجرد وسيلة عمل إلى عنوانٍ رمزي لجدل أعمق حول أولويات الإنفاق العمومي وحدود ما يُسمّى “حاجة المرفق”.
أحدث هذه الصفقات، التي صادقت عليها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، تبدو، في ظاهرها، تقنية وعادية، لكنها تحمل في تفاصيلها ما يكفي لطرح أكثر من علامة استفهام.
الصفقة شملت اقتناء 18 سيارة لفائدة المصالح الخارجية، بكلفة إجمالية تجاوزت 3.2 ملايين درهم، وأسندت إلى الموزع الرئيسي لعلامتي “رونو” و“داسيا” بالمغرب. اختيارٌ قد يجد له تبريرًا وظيفيًا، بالنظر إلى طبيعة المهام الميدانية، وتعدد التنقلات، والحاجة إلى سيارات عملية بأقل كلفة ممكنة.
غير أن النقاش الحقيقي لا يبدأ هنا.
الجزء الأكثر إثارة في الصفقة يتعلق بالحصة الثانية، التي خُصّصت لاقتناء سيارتين فقط لفائدة المصالح المركزية بالعاصمة الرباط، بكلفة قاربت 672 ألف درهم، أي أكثر من 33 مليون سنتيم للسيارة الواحدة. سيارات موجهة لمكاتب الإدارة المركزية، لا للميدان، ولا للمهام الشاقة، ولا للطرق الوعرة.
وهنا، يصبح السؤال مشروعًا:
لماذا تُخصَّص سيارات أعلى كلفة للإدارة المركزية، بينما تُوجَّه السيارات الأقل ثمنًا للمصالح الخارجية التي تتحمل عبء العمل اليومي؟
السؤال لا يمس قانونية الصفقة، ولا جودة السيارات، ولا العلامة التجارية المختارة، بل يلامس منطق الاختيار ذاته. هل نحن أمام تقدير موضوعي لحاجة المرفق، أم أمام تصور إداري يخلط بين الوظيفة والراحة، وبين الخدمة العمومية وامتياز المنصب؟
الأخطر من ذلك أن هذه الصفقة لا تبدو حالة معزولة.
فخلال الأشهر الأخيرة، سجلت عدة قطاعات حكومية ارتفاعًا ملحوظًا في صفقات اقتناء أو كراء السيارات، في ظل غياب سقف وطني واضح يحدد كلفة السيارة الإدارية حسب طبيعة المهمة. وهو ما فتح الباب أمام اقتناء سيارات وُصفت، حتى داخل الأوساط البرلمانية، بـ“الفاخرة”، تجاوز ثمن بعضها 70 مليون سنتيم.
وغالبًا ما يُقدَّم نفس التبرير الجاهز: تقادم الحظيرة، وارتفاع كلفة الصيانة. لكن دون نشر تقييمات دقيقة تُقارن بين كلفة الإصلاح وكلفة الاستبدال، ودون توضيح جدوى “الرفاهية” مقابل الوظيفة، ودون أي نقاش صريح حول من يتحمل الكلفة النهائية لهذه القرارات.
الأرقام الرسمية نفسها لا تخفف من حدة الجدل.
فقد أقرت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، بارتفاع الاعتمادات المرصودة لحظيرة سيارات الإدارات والمؤسسات العمومية خلال سنتي 2024 و2025، بمعدل سنوي بلغ 3094 مليون درهم، مقابل 2673 مليون درهم فقط خلال الفترة ما بين 2020 و2023. ارتفاعٌ لا يمكن اعتباره مجرد تطور تقني، بل يعكس خيارًا تدبيريًا له أبعاده السياسية والرمزية، خاصة في سياق اجتماعي يتسم بضغط متزايد على القدرة الشرائية للمواطن.
في النهاية، لا يتعلق النقاش بسيارتين، ولا بقطاع بعينه، بل بنمط تدبير يتوسع بصمت، ويعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا:
كيف تُترجم خطابات التقشف حين تتحول إلى قرارات ملموسة؟
وأين ينتهي مفهوم “حاجة المرفق” ويبدأ منطق “راحة الإدارة”، عندما يكون الممول الدائم هو دافع الضرائب المغربي؟
سؤال قد لا يجد جوابًا في دفاتر التحملات، لكنه يفرض نفسه بقوة في ميزان الثقة بين المواطن والمؤسسة.
