فرنسا ترفع سقف المواجهة مع مثيري الشغب.. دارمانان يلوّح بحرمان المدانين من التصويت وإبلاغ جهات عملهم

الوطن24/ متابعة خاصة
في تصعيد قضائي لافت عقب موجة من أعمال الشغب والنهب التي شهدتها عدة مدن فرنسية، اختار وزير العدل جيرالد دارمانان رفع سقف المواجهة مع المتورطين، مطالباً النيابات العامة بتشديد العقوبات واللجوء بصورة أوسع إلى تدابير تكميلية قد تمتد آثارها إلى الحقوق المدنية والحضور الرقمي والوضع المهني لبعض المعنيين.
وتضع التوجيهات الجديدة القضاء الفرنسي أمام مرحلة أكثر تشدداً في التعامل مع أعمال العنف والتخريب، بعدما طلب الوزير من النيابات العامة المطالبة بعقوبات رادعة، تشمل، وفق طبيعة الجرائم والشروط القانونية، الحرمان من حق التصويت، والمنع من المشاركة في التظاهرات، وإغلاق حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن إبلاغ جهات إدارية ومهنية في حالات محددة.
وتأتي هذه الخطوة في أعقاب أحداث العنف والنهب التي رافقت احتجاجات 17 و18 أكتوبر الجاري، والتي دفعت السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية والقضائية، وسط جدل متصاعد بشأن سبل استعادة النظام العام ومنع تكرار مشاهد التخريب.
2700 شخص تحت الحراسة النظرية.. و217 أُودعوا السجن
الأرقام المعلنة تكشف حجم التحرك القضائي الذي أعقب الأحداث. فقد أعلن دارمانان وضع نحو 2700 شخص تحت الحراسة النظرية، فيما أُودع 217 شخصاً السجن على خلفية أعمال العنف والنهب.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى أن الوزير أشار إلى أن نحو نصف الأشخاص الذين أُودعوا السجن ليست لديهم سوابق قضائية، وفق التصريحات التي نقلتها وسائل إعلام فرنسية.
ولا تعني هذه المعطيات أن جميع الموقوفين صدرت بحقهم أحكام نهائية، إذ يجب التمييز بين الحراسة النظرية، والمتابعة القضائية، والإيداع في السجن، والإدانة بحكم قضائي.
غير أن الرسالة السياسية والقضائية تبدو واضحة: السلطات تريد أن تكون العقوبات أكثر حضوراً وفاعلية، وألا تظل بعض التدابير المحكوم بها مجرد قرارات يتأخر تنفيذها.
هل يُحرم المدانون من التصويت؟
من أبرز النقاط التي أثارت الانتباه في توجيهات وزير العدل الفرنسي الدعوة إلى التماس الحرمان من بعض الحقوق المدنية، بما فيها حق التصويت، عندما تكون طبيعة الجريمة وظروف ارتكابها مبرراً قانونياً لذلك.
ويستند هذا التوجه إلى العقوبات التكميلية التي يتيحها القانون الفرنسي في حالات محددة، لكنه لا يعني تجريد كل شخص يشارك في احتجاج أو يُشتبه في تورطه في أعمال شغب من حقه في التصويت.
فالأمر يتعلق بعقوبة يمكن أن تطلبها النيابة العامة في القضايا التي تسمح نصوصها القانونية بذلك، بينما يبقى تقديرها وإصدارها من اختصاص القضاء.
وهنا يكمن جوهر الجدل: هل يشكل توسيع اللجوء إلى هذه العقوبات وسيلة فعالة للردع، أم أن تطبيقها يجب أن يظل محصوراً في الحالات التي تثبت فيها خطورة الأفعال وتتوفر فيها جميع الضمانات القانونية؟
من الشارع إلى مكان العمل.. خطوة تثير الجدل
ومن أكثر جوانب التوجيهات حساسية، طلب إبلاغ جهات العمل في حالات محددة تتعلق بأشخاص يُشتبه في تورطهم في أعمال العنف والتخريب، بهدف تمكين الجهات المختصة من اتخاذ الإجراءات التأديبية التي يسمح بها القانون.
وقد أثار هذا التوجه نقاشاً قانونياً ومهنياً، خصوصاً بعدما تحدث دارمانان عن إبلاغ أصحاب العمل بشأن موظفين شاركوا في أعمال النهب أو الشغب.
لكن الإطار القانوني الفرنسي لا يتيح تعميم هذا الإجراء على جميع العاملين في القطاع الخاص بلا تمييز. فالمادة 11-2 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي تنظم حالات وشروط إبلاغ جهات معينة بالمعلومات المرتبطة بالإجراءات القضائية، بما يشمل فئات من الموظفين العموميين وبعض العاملين في مهام المرفق العام وأصحاب المهن المنظمة.
كما يخضع الإبلاغ لشروط تتعلق بطبيعة الوقائع وضرورة حماية النظام العام أو الأشخاص والممتلكات.
وبالتالي، لا يعني مجرد توجيه الاتهام أن كل مشغّل في القطاع الخاص سيتلقى إشعاراً بشأن موظفه، ولا أن الإبلاغ يؤدي تلقائياً إلى فصله من العمل؛ إذ تظل الإجراءات المهنية خاضعة للقانون والظروف الخاصة بكل حالة.
معركة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي
ولا تقف الإجراءات المقترحة عند العقوبات التقليدية، إذ دعا وزير العدل إلى اللجوء، في الحالات التي يسمح بها القانون، إلى ما يُعرف بالإبعاد الرقمي، والذي قد يشمل إغلاق حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ومنع إنشاء حسابات جديدة لمدة محددة.
ويستهدف هذا الإجراء، بحسب التوجيهات المنقولة في الإعلام الفرنسي، بعض الأفعال المرتبطة بنشر صور اعتداءات متعمدة على الأشخاص أو التهديد والترهيب، وليس مجرد التعبير عن الرأي أو المشاركة في نقاشات سياسية.
وتعيد هذه الخطوة طرح سؤال العلاقة بين مكافحة التحريض والعنف الرقمي من جهة، وضمان حرية التعبير من جهة أخرى، في بلد يشهد نقاشاً حاداً بشأن الاحتجاجات وحدود تدخل السلطات.
الردع أم اختبار جديد لدولة القانون؟
في مقابل الدعوات إلى تشديد العقوبات، برزت اعتراضات من أوساط قانونية على مخاطر توسيع الإبلاغ عن الأشخاص المعنيين بالإجراءات القضائية قبل انتهاء المسار الجنائي.
وقد حذّر نقيب المحامين في باريس، لويس ديغوس، من المساس بحقوق الدفاع وقرينة البراءة، داعياً إلى تحمل المسؤولية في التعامل مع هذه الملفات.
ويكشف هذا الجدل أن المواجهة في فرنسا لا تدور فقط حول كيفية التعامل مع أعمال النهب والتخريب، بل تشمل أيضاً حدود صلاحيات السلطات، ومدى التوازن بين حماية النظام العام وصون الحقوق الأساسية.
فالدولة مطالبة بمحاسبة من تثبت مسؤوليته عن الاعتداءات والتخريب، لكن قوة الردع لا تُقاس فقط بصرامة الخطاب أو اتساع العقوبات المقترحة؛ بل كذلك بمدى احترام القانون وضمان أن تكون الإجراءات متناسبة مع الأفعال المرتكبة.
الخلاصة: فرنسا تتجه إلى تشديد أدواتها القضائية في مواجهة أعمال الشغب والنهب، فيما يبقى الاختبار الحقيقي في كيفية تطبيق هذه التوجيهات، والتمييز بين المشتبه فيهم والمدانين، وضمان ألا تتحول الرغبة في الردع إلى مساس بالحقوق التي يقوم عليها النظام القانوني الفرنسي.
