فضيحة صفقات نهاية السنة بالمغرب: وزارة النقل وعبد الصمد قيوح في قلب حجز 110 غرفة بفنادق فخمة… فمن يراقب من؟

بين خطاب رسمي يرفع شعار التقشف، وواقع تدبيري يكشف عن إنفاق سخي وغير مبرر، تتفجر بالمغرب معطيات صادمة تضع وزارة النقل واللوجستيك ووزيرها عبد الصمد قيوح في قلب عاصفة من الأسئلة المحرجة. فبينما دعا رئيس الحكومة، في منشور رسمي صادر خلال مارس من السنة الجارية، إلى شدّ الحزام وتقليص النفقات المرتبطة بالسفريات، والإقامة بالفنادق الفخمة، وتنظيم الندوات، واقتناء السيارات الباهظة، تكشف وثائق رسمية عن تمرير صفقة مثيرة تتعلق بحجز 110 غرفة بأرقى فنادق العاصمة الرباط، دون أي توضيح للغرض أو المناسبة.

الوثيقة، التي اطلعت عليها الوطن24، تفيد بأن الوزارة فتحت، يوم الأربعاء 10 دجنبر 2025، أظرفة طلبية هذا الحجز الضخم، في توقيت بالغ الحساسية، ودون إرفاقها بأي برنامج رسمي أو مبرر إداري يشرح خلفيات القرار. معطى يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة: لمن هذا الحجز؟ ولماذا؟ وبأي صفة يُصرف هذا المال العام؟

وتتضاعف علامات الاستفهام بالنظر إلى توقيت الصفقة، إذ تُعد الفترة الممتدة بين دجنبر ويناير من الأغلى على مستوى الإيواء الفندقي بالرباط، تزامناً مع استعداد المغرب لاحتضان نهائيات كأس أمم إفريقيا، ما يعني أن كلفة هذا الحجز قد تتجاوز مئات الملايين من السنتيمات، في وقت يُفترض فيه ترشيد النفقات لا تضخيمها.

مصادر الوطن24 تؤكد أن ما جرى لا يمكن فصله عن منطق أصبح مألوفاً داخل بعض القطاعات الحكومية بالمغرب، حيث يتم، مع اقتراب نهاية السنة المالية، التسريع بتصريف الصفقات حتى لا تعود الاعتمادات إلى الخزينة العامة. الأخطر، تضيف المصادر، أن عدداً من هذه الحجوزات والخدمات يُستغل لاحقاً، بعد أداء فواتيرها، لأغراض لا علاقة لها بالمصلحة العامة، وقد تمتد إلى استعمالات حزبية أو شخصية، تحت غطاء إداري “قانوني”.

ولا يقف “نزيف الصفقات” عند هذا الحد. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى محاولة تمرير صفقة أخرى، موثقة، تتعلق برقمنة الموارد البشرية داخل وزارة النقل واللوجستيك، بكلفة تناهز مليارين و200 مليون سنتيم، خُصصت لاقتناء خوادم معلوماتية (سيرفرات)، دون أن تحقق النتائج المرجوة، في سباق محموم لإغلاقها قبل نهاية السنة المالية.

كما تفيد المصادر ذاتها بأن مهندساً مقرباً من الوزير عبد الصمد قيوح، ينحدر من مدينة أكادير، حصل على صفقة تقارب نصف مليار سنتيم لإعداد تصميم معماري جديد لمقر الوزارة بالرباط، الذي يضم المكتب الرسمي للوزير، وسط منافسة وُصفت بـ“الصورية”، بعد إشراك مكتب هندسة حديث العهد بالتأسيس لم يُكمل بعد سنة واحدة من النشاط، ما يثير شبهة تفصيل الصفقة على المقاس.

أمام هذا المشهد، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: من يراقب من في المغرب؟ ومن الجهة المخوّل لها وضع حد لهذا النزيف الذي يتعرض له المال العام؟ كيف تُصرف الملايير على الأقرباء والمقاولين الحزبيين وكل ذي مصلحة؟ وكيف تُوزَّع الإكراميات المقنّعة، والسفريات غير المبررة، والنزولات الفندقية الفاخرة؟ وبأي منطق تُرصد ميزانيات ضخمة للإطعام والضيافة والتنقلات الغامضة، تحت يافطة “المصلحة العامة”، دون أي عائد أو مردودية؟

كأننا أمام بلد يملك كل مفاتيح الثراء، لا تعبره الأزمات، ولا يئن شعبه تحت وطأة الغلاء وصعوبة العيش. إنه التناقض الصارخ لمغرب يسير بسرعتين متباينتين إلى أقصى الحدود: مغرب أقلية قليلة تعبث بمقدرات الوطن دون حسيب أو رقيب، ومغرب أغلبية ساحقة ترزح تحت عتبة الفقر والهشاشة وتكافح يومياً من أجل البقاء.

هذه الوقائع تحرج الحكومة المغربية، وتنسف عملياً خطاب التقشف وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتضع المؤسسات الرقابية أمام امتحان حقيقي. فهل من مجيب؟ أم ستظل الأسئلة معلّقة، بينما يستمر استنزاف المال العام، وتتسع الهوة بين خطاب رسمي مطمئن وواقع يزداد إثارة للغضب والقلق؟