في انتظار غودو… المغرب والديمقراطية: هل آن أوان الملكية البرلمانية؟

الوطن24/ بقلم: ذ. المهدي سهيمي*
كتب صمويل بيكيت مسرحيته الشهيرة “في انتظار غودو” ليحكي عن بشر يستهلكون أعمارهم في انتظار شخص لا يأتي، حتى يتحول الانتظار نفسه إلى قدر. ولعل هذه الصورة الأدبية تصلح مدخلا لفهم أحد أكثر الأسئلة إلحاحا في التاريخ السياسي المغربي: سؤال الديمقراطية. فمنذ الاستقلال، لم يغب هذا السؤال عن الدساتير والخطب والبرامج الحزبية والنقاشات الفكرية، لكنه ظل يتجدد مع كل مرحلة إصلاحية، وكأن الديمقراطية ليست واقعا يبنى، بل موعدا مؤجلا.
غير أن الإشكال لا يكمن في غياب الديمقراطية بقدر ما يكمن في طبيعة النموذج الديمقراطي الذي يناسب الدولة المغربية. فالتجارب السياسية لا تستنسخ، والدساتير لا تنقل من بلد إلى آخر كما تنقل النصوص القانونية. لكل مجتمع تاريخه، ولكل دولة توازناتها، ولكل نظام سياسي منطقه الخاص. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يختار المغرب بين الملكية والديمقراطية؟ بل كيف يمكن أن تتعايش المؤسسة الملكية مع مقتضيات الديمقراطية الدستورية في إطار يحقق الاستقرار والفعالية والشرعية؟
أولا: الملكية والديمقراطية… علاقة تكامل لا تناقض
ظل جزء من الخطاب السياسي المغربي ينظر إلى الملكية والديمقراطية باعتبارهما مفهومين متعارضين؛ فإما ملكية قوية وإما ديمقراطية كاملة. غير أن التجربة الدستورية المقارنة تكشف أن هذا التعارض ليس حتميا. فعدد من الديمقراطيات الأكثر استقرارا في العالم يقوم على أنظمة ملكية دستورية، مثل المملكة المتحدة والسويد وهولندا وإسبانيا، حيث تمارس الحكومات المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية السلطة التنفيذية، بينما تضطلع المؤسسة الملكية بوظائف التحكيم والتمثيل الرمزي وضمان استمرارية الدولة. وقد أثبتت هذه التجارب أن استقرار الملكية لا يتعارض بالضرورة مع ترسيخ الديمقراطية، بل قد يشكل أحد عناصرها متى كانت قواعد المسؤولية السياسية واضحة، وكانت المؤسسات المنتخبة تمارس اختصاصاتها بصورة فعلية.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الملكية البرلمانية نقيضا للملكية، بل أحد أشكال تطورها التاريخي. فهي لا تقوم على إلغاء المؤسسة الملكية، وإنما على إعادة تنظيم العلاقة بين الشرعية التاريخية والشرعية الديمقراطية، بحيث يصبح الملك رمزا لوحدة الدولة واستمرارها، في حين تتحمل الحكومة المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية مسؤولية التدبير السياسي أمام المواطنين.
كما يذهب الباحث الهولندي “أرند ليبهارت” إلى أن استقرار الأنظمة الديمقراطية لا يرتبط بشكل النظام السياسي في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بقدرة المؤسسات على إدارة التوافق وتنظيم الاختلاف وضمان المشاركة السياسية. ومن ثم، فإن نجاح الملكيات الدستورية لا يعود إلى طبيعة النظام الملكي وحدها، بل إلى وضوح توزيع الاختصاصات، وقوة المؤسسات، وفعالية آليات المساءلة.
أما في المغرب، فقد أثبتت المؤسسة الملكية، عبر محطات متعددة، قدرتها على المحافظة على وحدة الدولة واستقرارها. ويمكن استحضار تجربة التناوب التوافقي سنة 1998، ثم اعتماد دستور 2011 في سياق إقليمي اتسم بمطالب الإصلاح، باعتبارهما محطتين بارزتين في تطور النظام الدستوري المغربي وإعادة صياغة العلاقة بين المؤسسة الملكية والمؤسسات المنتخبة. غير أن استمرار هذا الدور لا يمنع من استمرار النقاش الفكري والدستوري حول السبل الكفيلة بتعزيز مكانة البرلمان، وتقوية الأحزاب السياسية، وتوسيع نطاق المسؤولية السياسية، بما يجعل المواطن قادرا على ربط القرار العمومي بمن يتحمل مسؤوليته.
ثانيا: الديمقراطية ليست انتظارا… بل إصلاحا متراكما
لقد بينت التجارب السياسية المقارنة أن الديمقراطية ليست حدثا يقع في لحظة واحدة، وإنما مسار تراكمي تتطور فيه المؤسسات، وتتوسع المشاركة السياسية، وتترسخ ثقافة المحاسبة وسيادة القانون. وهو ما ينسجم مع أطروحة “صموئيل هنتنغتون” الذي اعتبر أن التحول الديمقراطي عملية تاريخية معقدة تتداخل فيها الإصلاحات الدستورية مع تطور النخب والمؤسسات والثقافة السياسية.
فالتجربة الإسبانية بعد دستور 1978 لم تنتقل إلى الديمقراطية الكاملة في لحظة واحدة، بل عبر مسار تدريجي من الإصلاحات السياسية والمؤسساتية، كما أن المملكة المتحدة نفسها لم تبلغ شكلها الديمقراطي الحالي إلا بعد قرون من التطور الدستوري وتوسيع المشاركة السياسية. وهو ما يؤكد أن الديمقراطية لا تبنى بالقفزات، وإنما بالتراكم.
ومن ثم، فإن مستقبل الديمقراطية في المغرب لا يتوقف فقط على تعديل دستوري جديد أو محطة انتخابية جديدة، بقدر ما يتوقف على بناء مؤسسات قوية، وأحزاب ذات مصداقية، وإدارة عمومية فعالة، وقضاء مستقل، ومجتمع مدني يقظ. فالديمقراطيات المستقرة لا تقوم على جودة النصوص الدستورية وحدها، وإنما أيضا على أحزاب قادرة على تأطير المواطنين وإنتاج النخب وصياغة البرامج، بما يجعلها حلقة وصل حقيقية بين المجتمع والدولة.
إن الانتقال نحو مزيد من الديمقراطية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره خصومة مع المؤسسة الملكية، بل باعتباره رهانا على تقوية الدولة نفسها. فكلما كانت المؤسسات المنتخبة أكثر قدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، ازدادت شرعية النظام السياسي بأكمله، وأصبحت المؤسسة الملكية أكثر تفرغا لوظائفها الدستورية والاستراتيجية.
لقد بينت العديد من تجارب الانتقال الديمقراطي أن الإصلاحات الدستورية، مهما بلغت أهميتها، لا تحقق أهدافها بمعزل عن تطور الثقافة السياسية، واستقلال القضاء، وفعالية الإدارة، ونضج الفاعلين الحزبيين. فالنصوص تفتح الإمكانات، لكن الممارسة وحدها هي التي تمنحها معناها الحقيقي.
ثالثا: غودو لن يأتي… لأن الديمقراطية لا تأتي
ربما أخطأ الجميع في انتظار “غودو”. فالديمقراطية، مثل الحرية والعدالة، لا تصل على متن قطار، ولا تحملها لحظة سياسية عابرة، ولا يصنعها دستور بمفرده. إنها ثمرة تراكم طويل من الإصلاحات، ومن نضج المجتمع، ومن قدرة المؤسسات على التكيف مع تحولات الزمن.
في الحالة المغربية، لا يبدو المستقبل مرهونا بالاختيار بين الملكية أو الديمقراطية، فمثل هذا الطرح يفترض تعارضا لا تؤيده بالضرورة تجارب عدد من الملكيات الدستورية المعاصرة. والتحدي الحقيقي يكمن في البحث عن صيغة دستورية وسياسية تضمن استمرارية المؤسسة الملكية بوصفها عنصرا من عناصر استقرار الدولة ووحدتها، وفي الوقت نفسه تعزز مكانة المؤسسات المنتخبة، وتوسع نطاق المسؤولية السياسية، وتجعل الإرادة الشعبية أكثر تأثيرا في صناعة القرار العمومي.
إن قوة الملكية لا تقاس فقط بما تمارسه من صلاحيات، وإنما أيضا بقدرتها على قيادة التطور الدستوري ومواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية. كما أن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بإجراء الانتخابات، وإنما بقدرتها على إنتاج حكومات مسؤولة، وبرلمان فاعل، وقضاء مستقل، ومواطن يثق بأن صوته يترك أثرا في السياسات العامة.
ولعل الدرس الأهم الذي تمنحه لنا مسرحية بيكيت هو أن الانتظار لا يصنع المستقبل. ففي السياسة، لا تبنى الديمقراطية بالترقب، بل بالحوار، والإصلاح، وتراكم الثقة بين الدولة والمجتمع، والقدرة على التوفيق بين استمرارية الدولة وتجدد مؤسساتها. لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: “متى يأتي غودو؟” بل: “كيف نبني نظاما سياسيا يجعل انتظار غودو بلا معنى؟” فعندما تصبح الديمقراطية ممارسة يومية، وتصبح المسؤولية السياسية واضحة، ويغدو الاحتكام إلى المؤسسات هو القاعدة، لن يكون هناك ما ينتظر. وسيكتشف الجميع أن الديمقراطية لم تكن يوما شخصا سيأتي، بل كانت دائما مشروعا ينبغي أن يشارك الجميع في بنائه.
*باحث بسلك الدكتوراه، تخصص القانون العام والعلوم السياسية
