فرنسا تشتعل سياسياً بعد هجوم تراب.. ميلانشون يرفع سقف المواجهة: «لا مكان للعنصريين في السلطة»

الوطن24/ متابعة خاصة
في فرنسا التي تتجه أنظارها نحو الانتخابات الرئاسية لعام 2027، فجّر جان لوك ميلانشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية»، مواجهة سياسية جديدة حول العنصرية وحدود المسؤولية داخل مؤسسات الدولة، معلناً أن «فرنسا الجديدة» التي يدافع عنها لن تترك للعنصريين مكاناً في مواقع السلطة والمسؤولية.
وجاءت تصريحات ميلانشون خلال تجمع مناهض للعنصرية والإسلاموفوبيا بمدينة لا كورنوف، بضواحي باريس، في أعقاب الهجوم الدموي الذي شهدته منطقة تراب بإقليم إيفلين، والذي أعاد إلى الواجهة أسئلة محرجة بشأن تصاعد خطاب الكراهية، واستهداف الأشخاص بسبب أصولهم، وقدرة المؤسسات الفرنسية على التصدي للتطرف.
ولم يكن خطاب زعيم اليسار الراديكالي مجرد إدانة سياسية لواقعة عنيفة، بل حمل رسالة مباشرة إلى الطبقة السياسية الفرنسية، مفادها أن مواجهة العنصرية، وفق تصوره، يجب ألا تتوقف عند التنديد، بل ينبغي أن تمتد إلى مساءلة من يثبت تورطهم في ممارسات عنصرية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص يتولون مسؤوليات عامة.
ميلانشون يصعّد.. والعنصرية تدخل قلب معركة 2027
اختار ميلانشون توقيتاً شديد الحساسية لرفع سقف خطابه، في وقت تتزايد فيه حدة التجاذبات السياسية بشأن الهجرة والهوية والأمن، وتتحول فيه قضايا العنصرية والإسلاموفوبيا إلى ملفات مركزية في النقاش العام الفرنسي.
ومن خلال حديثه عن «فرنسا الجديدة»، يسعى زعيم «فرنسا الأبية» إلى تقديم مشروع سياسي يجعل محاربة التمييز إحدى ركائزه الأساسية، في مواجهة التيارات التي يتهمها بالتساهل مع الخطابات العنصرية أو المساهمة في تطبيعها داخل الحياة العامة.
لكن هذا الموقف يفتح، في المقابل، باباً واسعاً للنقاش حول حدود التعهد بإبعاد العنصريين عن السلطة: هل يتعلق الأمر بمساءلة قانونية عن أفعال ثابتة، أم بمعيار سياسي وأخلاقي لتقييم أهلية المسؤولين لشغل المناصب العامة؟
فبين ضرورة حماية المواطنين من التمييز، وضمان حرية التعبير وقرينة البراءة، تظل أي إجراءات عقابية مرتبطة بأساس قانوني واضح، لا بمجرد الاتهامات أو الخلافات السياسية.
هجوم تراب.. جريمة تهز فرنسا وتعيد خطاب الكراهية إلى الواجهة
وتعود خلفية هذا التصعيد إلى الهجوم الذي وقع يوم 23 أكتوبر الجاري، حين أطلق مشتبه فيه النار على أشخاص في منطقة تراب، ما أسفر، وفق التقارير الإعلامية الفرنسية، عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين.
وأثارت المعطيات المتداولة بشأن تصريحات المشتبه فيه ودوافعه المحتملة مخاوف من احتمال وجود خلفيات عنصرية، لتتحول القضية إلى محور نقاش يتجاوز الجانب الأمني إلى طبيعة الخطاب المتداول في المجتمع، ومسؤولية مختلف الفاعلين في مواجهة التحريض والكراهية.
غير أن تحديد الدوافع النهائية للهجوم والمسؤوليات الجنائية يظل من اختصاص التحقيق والسلطات القضائية، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات التي لم تحسمها الإجراءات القانونية.
معركة ضد العنصرية أم ورقة انتخابية؟
في ظل اقتراب الاستحقاق الرئاسي الفرنسي لعام 2027، يصعب فصل تصريحات ميلانشون عن السياق الانتخابي الذي تتنافس فيه القوى السياسية على تقديم أجوبتها بشأن مستقبل البلاد، والعلاقة بين الأمن والحريات، ومكانة الأقليات، وحدود الخطاب السياسي.
فبالنسبة إلى أنصار ميلانشون، تمثل مواجهة العنصرية دفاعاً عن المساواة وعن مبادئ الجمهورية الفرنسية. أما التحدي الذي يواجهه سياسياً، فيتمثل في تحويل هذا الخطاب إلى مقترحات قابلة للتطبيق، تستند إلى القانون وتضمن عدم توظيف الاتهامات العنصرية أداة لتصفية الحسابات السياسية.
وفي المقابل، فإن خطورة الاعتداءات ذات الدوافع العنصرية، متى ثبتت، تجعل الاكتفاء بالتراشق السياسي أمراً غير كافٍ؛ إذ تقتضي مواجهة الظاهرة إجراءات ملموسة لحماية الضحايا، وتطبيق القانون، والتصدي للتحريض والتمييز دون انتقائية.
فرنسا أمام اختبار سياسي وأخلاقي
تكشف تداعيات هجوم تراب أن المواجهة في فرنسا لم تعد محصورة في إدانة جريمة أو تحميل المسؤولية لمشتبه فيه، بل امتدت إلى سؤال أوسع: كيف يمكن حماية المجتمع من العنصرية والتطرف دون المساس بأسس دولة القانون؟
وبين تعهد ميلانشون بإبعاد العنصريين عن مواقع السلطة، وتصاعد الخلافات بشأن الهجرة والهوية وحرية التعبير، تدخل البلاد مرحلة أكثر حساسية من التجاذب السياسي، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية.
فهل تتحول تصريحات ميلانشون إلى مشروع سياسي وقانوني لمواجهة العنصرية داخل مؤسسات الدولة، أم تبقى واحدة من أقوى الشعارات التي ستطبع المعركة الانتخابية الفرنسية المقبلة؟
سؤال مفتوح، لكن المؤكد أن تداعيات هجوم تراب أعادت ملف العنصرية إلى صدارة المشهد، ووضعت الطبقة السياسية الفرنسية أمام اختبار حقيقي يتجاوز الشعارات إلى المسؤولية والممارسة.
