لا تستهينوا بقدسية المال العام

عدم احترام قدسية المال العام… هو السبب

إن أكثر ما نعاني منه اليوم هو أداءُ فاتورةِ عدمِ احترام قدسية المال العام؛ وهي فاتورة لا يصعب قياس نتائجها وتبعاتها، فهي التي جعلتنا ندفع الثمن غاليا في أحداث الهجرة الجماعية. صحيح أننا عشنا في المغرب أحداثا مأساوية مماثلة أودت بحياة العديد من الأطفال والنساء والشباب الأبرياء، تركّزت بالأساس في محاولات الهجرة غير النظامية، كما فقدنا بالأمس القريب أرواحا أخرى لأبرياء في أحداث الحوز؛ حينها حزن الجميع لآلام فقدان الأبرياء، رغم أن السبب كان مغايرا وبعيدا عن طموح الوصول إلى الضفة الأخرى. غير أن كلا الحدثين وراءه أسباب متشابهة، ترتكز بالأساس على غياب الظروف المعيشية التي تضمن الكرامة الإنسانية من تعليم وصحة وشغل، إضافة إلى ضعف البنيات التحتية وهشاشة الوضع. وعلى العموم يمكن أن نستنتج أن ثمة قاسما مشتركا في أسباب كلا الحدثين، يرتبط بسوء تدبير المال العام وعدم احترام قدسيته وإباحته للمدبّرين، سواء على المستوى الترابي المحلي أو الوطني العام، عبر الريع وسوء التدبير والاختلاس.

واليوم لا ينبغي أن نشخّص الوضع على أساس أننا أمام ضياع أرواح أبرياء ودموع أمهات فقط، بل نحن نعيش آلام فقدان الكرامة والإنسانية؛ نحن أمام فقدان ما بنيناه لسنوات خلت، وقد نحتاج إلى سنوات ضوئية لنسيان ما وقع ولتلميع صورتنا أمام العالم. شبابنا وأطفالنا يرفضون العودة إلى الوطن، وأصبحنا نعيش ازدواجية الصورة والمواقف والرهانات، وتزعزعت مكانتنا لدى عقلاء الوطن وحتى لدى العقلاء في العالم. وحتى السياسيون الذين يتقنون النفاق السياسي استغربوا الوضع وعمّهم الصمت، فاشتقنا إلى شروحاتهم المزيفة، ولم يظهر منهم إلا الثلة التي تقول إن الوضع بخير، وإن تجديد التشكيلة الفاشلة سيجري في الوقت المحدد، وستُبدَّل بأخرى ربما أكثر منها فشلا، عبر الآليات الديمقراطية المتعارف عليها دوليا؛ لنستمر في إنتاج غنى واحتفالات وبرجوازية لا مثيل لها في العالم، بشرعية منحتها إياها فئة عريضة متجاهلة لوضعها، ناسية أنها قد تصبح طعاما للحيتان في أعماق البحار، في ظروف جدّ حرجة تغيب عنها الإنسانية.

واليوم لا يمكن أن ننكر أننا وصلنا في مدننا وجبالنا وواحاتنا إلى أوضاع مأساوية، بسبب تراكم الاختلالات التدبيرية، وغياب الالتقائية والانسجام بين مختلف السياسات العمومية، خصوصا الموجَّهة منها إلى الشباب، والتأجيل غير المبرَّر للاستراتيجيات المندمجة، وعدم تعزيز الاندماج السياسي، في ظل التهميش والعزل وغياب استهداف طموح الشباب إلى المشاركة في تدبير الشأن العام السياسي والثقافي. كما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بسبب تغييب المواطن وحرمانه من التعبير والانخراط في النقاش العمومي البنّاء والصادق.

إننا نجني اليوم ثمار السياسة القمعية والسلطوية القاهرة، والتدبير الأمني لجلّ الملفات الاجتماعية، في ظل غياب الديمقراطية والعدل، وفي غياب تامٍّ للتوزيع العادل للثروات عبر دمقرطة فرص الشغل والمساواة في الأجور.

نحن اليوم نجني ثمار عدم احترام قدسية المال العام، بسبب تفشّي الريع بكل أنواعه الإداري والاقتصادي، ومنطق «باك صاحبي» في توزيع المناصب والغنائم المحصَّل عليها من المديونية ومن المؤسسات المانحة ومن جيوب المواطن البسيط؛ ذلك المواطن الذي يمثل المستهلك النهائي المتحمّل للعبء الضريبي، تلك الآلية التي تعوّل عليها الدول لملء الخزينة، في غياب تامٍّ لاحترام قدسية المال العام. لقد وصلنا اليوم إلى درجة كره البقاء في الوطن، بسبب تفشّي الفساد الإداري والسياسي.

نحن اليوم نجني ثمار الجشع وبيع التزكيات وإبعاد النزهاء وشراء الذمم؛ نجني ثمار ربط الفساد السياسي بالفساد المالي، وربط الرياضة بعالم المخدرات، وربط التوظيف بأسئلة تشبه سؤال منكر ونكير: «من بعثك؟»، وربط الترقية بسؤال: «شكون باك وشكون أمك؟»، داخل مؤسسات محترمة كان المفروض أن يُضرب بها المثل في النزاهة والمصداقية.

وأعتقد أن ما وقع بمدينة سبتة اليوم، وما قد يقع بمدن أخرى، هو نتاج لما يجري في ساحاتنا الاجتماعية من هدم وترحيل، ولما يجري في عالمنا السياسي والمالي.

واليوم يجب أن يعي الجميع أن فصل الخريف قد حان، وأن الأشجار قد أصبحت بلا ثمار، وأن الحقل بات يستدعي الإصلاح وأشغال تنقية الأرض من الطفيليات؛ كما أن بعض الأشجار الفاسدة غير المثمرة تستدعي اجتثاثها من الجذور التي هدمت جدران الدار بلا رحمة ولا شفقة. اليوم يجب تحريك آليات المحاسبة الجدية والشاملة، ومحاربة الريع بكل أنواعه، ذلك الريع الذي جعل المواطن يعاني منه حتى في أبسط الحقوق التي يحميها الدستور.

ويجب أن نعي اليوم أن ثمن دقّ النواقيس في كنيسة الجيران كان غاليا؛ فقد كلّفنا أرواح أبرياء تملّكهم اليأس، وكلّفنا دموع أمهات لها جزاؤها عند الله، أمام صمت رهيب من المسؤول الذي يمثلها أمام المؤسسات.

ويجب أن نعي اليوم أننا ملزمون بإعادة النظر في تعاملنا مع قدسية المال العام، وفي تعاملنا مع الإنسان المواطن الذي انتشر الوعي في داخله، ولم يعد جاهلا بأموره كما يظن البعض. فاعلموا أن شبابنا يعي ويفهم ويحلّل الوضع أحسن من كثير من المثقفين منا، واعلموا أن القمع قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت. يجب إعادة صياغة طرق التعامل مع المواطن، واستحضار النهج الديمقراطي بشكل جدي، وتغييب الطبقية والعرقية وسؤال «شكون أنت ومن أرسلك؟»، وتوفير فرص شغل للجميع تحترم كرامة الإنسان وتساير غلاء الأسعار وارتفاع فاتورة التعليم والصحة والماء وسائر الخدمات والمجالات الاجتماعية التي تخلّت الدولة عنها ومنحت الاختصاص فيها للخواص الذين يجعلون الربح أول همّهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *