محاضر الشرطة القضائية بالمغرب… صمّام أمان لكشف الحقيقة أم وسيلة قابلة للطعن؟

الوطن24/ ذ. عبد الجبار الحرشي

في قلب المنظومة القضائية المغربية، تحتل محاضر الشرطة القضائية مكانة مركزية في مسار الكشف عن الحقيقة، خاصة في القضايا الجنائية والجنحية. فهي تُعد من أبرز وسائل الإثبات المعتمدة أمام القضاء، لما تحتويه من تصريحات، معاينات، واعترافات قد تكون حاسمة في توجيه الاتهام أو تبرئة المتهمين.

رجال الضابطة القضائية بالمغرب يضطلعون بأدوار جبارة في هذا الإطار، إذ يسهرون على جمع المعطيات وتحقيقات المعاينة وفق ما يمليه القانون، غير أن هذه المحاضر – رغم أهميتها – لا تُعتبر مقدسة، ويمكن أن تكون موضوعًا للطعن والإبطال متى ثبت الإخلال بالشكليات القانونية الضرورية.

فقد أولى المشرع المغربي اهتمامًا بالغًا لهذه الوثائق الرسمية، حيث خصّها بتنظيم مفصل في قانون المسطرة الجنائية، وخاصة في المادة 290، التي نصت على أن: “المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات يُوثق بمضمنها إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات.”

هذه الصياغة تُكرّس مبدأ القيمة الإثباتية النسبية للمحاضر، أي أنها لا تتمتع بحجية مطلقة، ويمكن مواجهتها بشهادات، خبرات، أو حتى بقرائن مستخلصة من التناقضات داخل المحضر أو بين محاضر متعددة. ويتيح القانون المغربي للمتهم أو دفاعه إمكانية التقدم بـدفوع شكلية، للطعن في مشروعية المحضر، خاصة إذا شاب تحريره خرق للإجراءات القانونية أو المسّ بالحقوق الدستورية للأطراف.

كما يفرض القانون على ضباط الشرطة القضائية بالمغرب احترام عدد من الشروط الشكلية عند تحرير المحضر، من بينها تحديد هوية الأطراف بدقة، توقيع المحضر، توضيح الزمان والمكان، وتسجيل كل خطوة من إجراءات البحث، حتى لا يُطعن لاحقًا في مصداقيته.

لكن الإشكال يبرز حين تتضمن هذه المحاضر اعترافات صادرة عن المتهم، قد يُبنى عليها الحكم بالإدانة. وهنا تتجدد التساؤلات القانونية حول مدى صحة تلك الاعترافات، وظروف انتزاعها، وهل تمت في إطار احترام تام لحقوق الدفاع أم تحت الضغط أو الإكراه.

الاجتهاد القضائي المغربي، وخاصة قرارات محكمة النقض، ذهبت في اتجاه التأكيد على أن الاعتراف، وإن كان دليلًا قويًا، إلا أنه لا يُعتد به إذا شابته شبهات أو لم يتم في ظروف قانونية سليمة. كما أن المحاضر التي ينجزها ضباط الشرطة القضائية لا تُلزم القاضي إلا إذا اقتنع بمضمونها واطمأن إلى صدق ما ورد فيها.

في المحصلة، تُعتبر محاضر الشرطة القضائية بالمغرب أداة أساسية في البحث الجنائي، لكنها ليست بمنأى عن الرقابة القضائية. وهو ما يُكرّس مبدأ المحاكمة العادلة، ويُعطي للقضاء المغربي هامشًا واسعًا لتقدير الأدلة المعروضة عليه، بما يضمن حقوق الأفراد ويُعزز الثقة في العدالة.