محمود شوراق يعانق الذاكرة من جديد……

‎يعود الكاتب والباحث في العلوم القانونية ذ. محمود شوراق إلى عالم الذاكرة والاعتراف من خلال الجزء الثاني من سيرته الذاتية الموسومة بـ «ما سكت عنه في السيرة الأولى»، الصادرة عن دار السلام في طبعتها الأولى لعام 2025. ويأتي هذا العمل امتدادا لسيرته الأولى «ذكريات على تلال الشيح» التي صدرت سنة 2019 عن دار أبي رقراق، والتي لاقت اهتمامًا واسعًا لما حملته من عمق إنساني وتأمل فكري في مسارات الحياة الشخصية والمهنية للمؤلف.

‎في هذا الجزء الجديد، يواصل شوراق مشروعه الأدبي الذي يسعى من خلاله إلى مصالحة الذاكرة مع الحقيقة، واستعادة ما ظل حبيس الصمت والنسيان. فهو لا يكرر ما قيل، بل يفتح صفحات جديدة من سيرته، ليضيء مناطق ظلت مظلمة في الذاكرة، في أسلوب يجمع بين الصدق والصفاء، وبين البوح والتأمل.

يقول الكاتب في مقدمة العمل:

‎”في كتابي الأول ذكريات على تلال الشيح ظننت أني قلت كل ما استرجعته من حكايات وأشخاص وأماكن. لكن الذاكرة لا تكشف أوراقها دفعة واحدة، فهناك دائمًا ما يظل ساكنًا في الأعماق، يختبئ خلف ستار النسيان، ينتظر لحظة بعينها ليطفو.” ‎

ومن هذا المنطلق، يقدم شوراق كتابه الجديد باعتباره قراءة ثانية لذاته ولزمنه، لا بوصفه استدراكا على الماضي، بل بحثا عن معان جديدة في تفاصيل صغيرة شكلت جوهر التجربة الإنسانية التي عاشها. ويقول في هذا السياق:

‎”كتبت في الجزء الأول ما يشبه الطريق الممهد، أما ما بين السطور وفي الظل فهو ما أحمله إليكم اليوم: مشاهد وأحداث تروى لأول مرة، صغيرة لكنها ترسخت في الروح كالنقش في الحجر. وجوه مرت مرور الكرام، ومواقف طريفة أو موجعة ظننتها عابرة، فإذا بها تضيء دروب الذاكرة.”

‎ويمتاز الكتاب بقدرته على مزج الذاتي بالجماعي، حيث تتقاطع السيرة الفردية للكاتب مع التحولات التي عاشها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة، في لغة رصينة تمزج بين حس الملاحظة القانونية ودقة التوثيق الأدبي. فالذاكرة هنا ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل وسيلة للتأمل في الحاضر وفهم جذوره، من خلال سرد إنساني صادق ينفتح على أسئلة الحياة والمجتمع.

وعلى ظهر الغلاف، يقدم المؤلف خلاصة تجربته في الكتابة قائلا:

‎”هذه سيرة نسجتها بمداد الدموع، ولدت من محن الانكسار، لتكون شهادة روح تجرعت مرارة الصمت وسعت إلى تحويل الألم إلى كلمات، والجرح إلى حكاية. كل صفحة فيها تنبض بتجربة صادقة، وكل حرف ولد من صراع بين رغبة البوح وخوف الإفصاح… إنها رسالة أمل إلى كل من يشعر أنه وحيد في معاناته.”

‎يعكس هذا العمل حسا إنسانيا عميقا لدى محمود شوراق، الذي يثبت من خلاله أن الكتابة ليست ترفا فكريا أو تمرينا لغويا، بل فعل مقاومة ضد النسيان، ومحاولة لانتزاع المعنى من صمت الأيام. فالسيرة عنده تتحول إلى نوع من الاعتراف الحكيم، حيث يلتقي الباحث بالقاص، والعقل بالعاطفة، في توازن دقيق بين التحليل والحنين.

‎ويعد الكاتب محمود شوراق من الأسماء البارزة في المشهد الأكاديمي المغربي، إذ أغنى المكتبة القانونية بعدد من المؤلفات المرجعية، من بينها «المنازعات الجبائية المتعلقة بالرسوم المحلية»، و «اختصاصات الجماعات في ظل القانون التنظيمي رقم 113.14»، و«النظام الجديد للأملاك العقارية للجماعات الترابية».

‎ومع هذا الإصدار الجديد، يؤكد شوراق حضوره في الحقل الثقافي والأدبي إلى جانب مكانته الأكاديمية، جامعا بين صرامة الباحث القانوني وشفافية الكاتب الإنساني، في تجربة تضع الذاكرة في قلب الكتابة، وتحول البوح إلى شكل من أشكال الحكمة.

‫4 تعليقات

  1. شكرا جزيلا اخي العزيز على هذا الاصدار وهذه الجرأة . كاخ اكبر منه سنا بعامين فإن الكثير مما قاله -عن صباه- اتقاسمه معه في أدنى تفاصيله لهذا لما كلمني في الموضوع شجعته كثيرا وبعث لي بعض ما جاش به صدره قبل أن بطبعه لكن الحقيقة في المرات تؤلمني كثيرا بعض التفاصيل التي يسردها وكأنها عشناها البارحة ولهذا اجلت قراءة الكتاب كله حتى اكون مستعدا لاصبر عن المها…
    اخي محمود تعلم شبه عصامي حيث أنه ترك الدراسة في الثانوي ولم يعد إلى المدرسة الا بعد سبع سنوات حيث نال الباكالوريا حر… .وبعدها التحق بالجامعة بوجدة…. أنني احبه عن صبره وعمله ودابته. فشكرا اخي العزيز

  2. الف مبروك على صدور هذا الكتاب وانا سعيد بهذا الانجاز الرائع الذي يعكس تفانيك وجهودك المستمرة. وان مشاركة تجربتك الشخصية مع العالم هي خطوة شجاعة وملهمة وواثق ان هذا الكتاب سيلمس حياة الاخرين

  3. عرفت السيد محمود شوراق كزميل في العمل بل في نفس المصلحة ونفس المكتب منذ اليوم الأول استقبلني بصدر رحب خصوصا ان تكويني كان علمي لا علاقة لي بالجبايات فطبيعي كان الارتباك والخوف إلا انه عاملني بكل احترام وتقدير وساعدني في الاندماج بشكل سريع في العمل وايظا بمساعدة المرحوم السيد ياسين رئيس القسم انذاك ومنذ ذلك التاريخ وعلى مدى ثلاثتين سنة لازلت التقي بالسيد شوراق ونتبادل نفس الصداقة والذكريات انه فعلا رجل مقتدر صادق ومحب للخير للجميع شكرا جزيلا السي شوراق ومزيد من الإبداع والتألق. تحياتي