مذكرة تأطير مشروع قانون المالية لسنة 2027: أي رهانات للحكامة الميزانياتية؟

الوطن24/بقلم: عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق
عادة ما يتم تحليل مشاريع قوانين المالية من خلال الأرقام التي تتضمنها: النمو، والعجز، والاستثمار العمومي، أو النفقات الاجتماعية. ونادراً ما يتم النظر إليها باعتبارها انعكاساً لطريقة اشتغال المؤسسات التي تتولى إعدادها. غير أن مذكرة تأطير مشروع قانون المالية لسنة 2027 تستحق هذه القراءة الثانية.
صحيح أنها تحدد التوجهات الكبرى التي ينبغي أن تؤطر إعداد الميزانية المقبلة في سياق دولي يتسم بالتوترات الجيوسياسية، وتباطؤ النمو العالمي، واستمرار آثار التغيرات المناخية. وعلى المستوى الوطني، تبرز المذكرة صمود الاقتصاد المغربي ومواصلة الأوراش الكبرى التي تم إطلاقها تحت قيادة التوجيهات الملكية السامية. وتنتظم الوثيقة حول أربع أولويات: ترسيخ الدولة الاجتماعية، ومواصلة الأوراش الكبرى، وتعزيز الصمود الاقتصادي، والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية والميزانياتية.
لكن أهمية هذه المذكرة تتجاوز بكثير هذه التوجهات. فهي، وقد أُعدت عشية الانتخابات التشريعية التي ستفضي إلى تشكيل حكومة جديدة، تشكل وثيقة انتقالية تطرح تساؤلات حول الحكامة الميزانياتية: كيف يمكن التوفيق بين الاستمرارية الاستراتيجية للدولة، والشرعية الديمقراطية المنبثقة عن الانتخابات، وإعداد أول ميزانية للولاية التشريعية المقبلة؟
مذكرة تأطير ذات خصوصية
تتمثل أولى مظاهر التحول في طبيعة الوثيقة نفسها. فعلى خلاف مذكرات التأطير السابقة، التي كانت تركز أساساً على التوجهات الاقتصادية والميزانياتية، تخصص مذكرة مشروع قانون المالية لسنة 2027 حيزاً مهماً للإجراءات الإدارية، والجداول الزمنية للتنفيذ، وآليات التتبع، وخطط العمل القطاعية. وهكذا، فإنها تتجاوز مجرد التأطير الاستراتيجي لتقترب، في بعض جوانبها، من خطة عمل إدارية حقيقية. ويعكس هذا التطور الوزن المتزايد للإدارة، ولاسيما مديرية الميزانية، في إعداد الميزانية.
وتتمثل الخصوصية الثانية في المرجعيات المؤسساتية التي تستند إليها الوثيقة. ففي الوقت الذي كانت فيه مذكرات التأطير السابقة تندرج بدرجة أكبر في امتداد البرنامج الحكومي، تحيل هذه المذكرة أساساً إلى التوجيهات الملكية السامية. ويُفسر هذا الاختيار بالسياق السياسي. فالحكومة الحالية تقترب من نهاية ولايتها، ولا أحد يعرف بعد تركيبة الأغلبية المقبلة. ومن ثم، كان من الصعب أن تحدد السلطة التنفيذية المنتهية ولايتها توجهات من شأنها أن تلزم الحكومة التي ستخلفها. لذلك تستند مذكرة التأطير إلى الركيزة الأكثر استقراراً في العمل العمومي، أي الخيارات الاستراتيجية للدولة.
غير أن هذه الوضعية تكشف عن صعوبة مؤسساتية أعمق. فمشروع قانون المالية يشكل الفعل السياسي الأهم بالنسبة لكل حكومة، لأنه يترجم برنامجها إلى اختيارات ميزانياتية. والحال أن الانتخابات التشريعية ستجري في نهاية شهر شتنبر، وستنعقد الدورة البرلمانية في بداية أكتوبر، بينما يتعين إيداع مشروع قانون المالية قبل 20 أكتوبر. وفي هذه الفترة القصيرة يتعين أن تتم تسمية رئيس الحكومة، وإجراء المشاورات السياسية، وتشكيل الأغلبية، وتكوين الحكومة، وإعداد البرنامج الحكومي، ثم عرضه على البرلمان لنيل الثقة. ولذلك لا يتوفر الجهاز التنفيذي الجديد على الوقت الكافي لإعداد أول ميزانية لولايته.
وينتج عن ذلك مفارقة واضحة: فالميزانية الأولى للولاية التشريعية الجديدة تكون قد أُعدت إلى حد كبير قبل أن تكون الحكومة المكلفة بتنفيذها قد استقرت بصورة كاملة. وتضمن الإدارة، بطبيعة الحال، استمرارية الدولة، لكنها تجد نفسها مضطرة، في هذه الحالة، إلى ممارسة تأثير أكبر في إعداد التوجهات الميزانياتية مما قد تبرره وضعية مؤسساتية عادية.
وتقود هذه الحقيقة إلى التمييز بين ثلاث إيقاعات زمنية متكاملة: الزمن الطويل للتوجهات الاستراتيجية للدولة، والزمن الديمقراطي للانتخابات، والزمن السنوي للميزانية. ومن حيث المبدأ، ينبغي أن يشكل مشروع قانون المالية نقطة التقاء بين هذه الأبعاد الثلاثة. غير أن التوفيق بينها يبدو اليوم غير مكتمل. فعندما لا يسمح الجدول الزمني المؤسساتي للحكومة الجديدة بأن تضع بصمتها على الميزانية الأولى لولايتها، تتولى الإدارة، بحكم الواقع، ضمان هذه الاستمرارية. وإذا كانت هذه الوضعية تستجيب لحاجة عملية، فإنها تدعو إلى التفكير في حكامة أفضل للميزانية.
الثغرات في الاستراتيجية الميزانياتية
تكشف مذكرة التأطير، كذلك، عن عدد من الجوانب الغائبة التي كان من المفترض أن تحتل مكانة أكبر ضمن الأولويات الوطنية.
ويأتي في مقدمتها إدماج القطاع غير المهيكل. فوزنه في الاقتصاد المغربي يجعله رهاناً أساسياً لتوسيع الوعاء الضريبي، وحماية حقوق العمال، وتعزيز المنافسة النزيهة، وترسيخ الحماية الاجتماعية. ويشكل إدماجه التدريجي أحد شروط نجاح الإصلاحات الاقتصادية الجارية.
كما أن مكافحة الفساد والاقتصاد الريعي لا تندرج ضمن الأولويات المعلنة. والحال أن هاتين الظاهرتين لا تزالان تؤثران في فعالية الإنفاق العمومي، وثقة المستثمرين، وتنافسية الاقتصاد، وتعزيز دولة الحق والقانون. وينبغي ألا تقتصر معالجتهما على الحكامة الإدارية، بل أن تشكل أيضاً جزءاً من الاستراتيجية الميزانياتية.
وينطبق الأمر نفسه على إصلاح أنظمة التقاعد. فالجميع يقر اليوم بضرورة ضمان استدامتها المالية وتحقيق الإنصاف بين الأجيال. ولذلك فإن غياب هذا الإصلاح عن أولويات الوثيقة يتناقض مع أهميته بالنسبة إلى مستقبل المالية العمومية.
وتستحق مسألة الابتكار بدورها اهتماماً خاصاً. ففي اقتصاد عالمي أصبحت فيه الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والتكنولوجيات المبتكرة عوامل حاسمة في التنافسية، ينبغي أن تشكل هذه المجالات محوراً أفقياً للعمل العمومي، وليس مجرد قطاع من القطاعات.
وتتعلق ملاحظة أخرى بالبعد الترابي للاستثمارات العمومية. فالمشاريع الكبرى المهيكلة تستفيد منها أساساً الأقطاب الحضرية الكبرى والبنيات التحتية الوطنية. أما «المغرب المحيطي»، فلا يحضر إلا من خلال برامج فك العزلة وتحسين خدمات القرب. ولا شك أن هذه الإجراءات ضرورية، لكنها لا يمكن أن تحل محل استراتيجية حقيقية للتنمية الاقتصادية للمجالات الترابية.
والرهان اليوم هو الانتقال من منطق تدارك التأخر إلى منطق خلق الثروة. وينبغي لكل مجال ترابي أن يكون قادراً على تثمين موارده، وجذب الاستثمار، وتطوير أنشطة إنتاجية، وخلق فرص شغل مستدامة. فالحد من الفوارق الجهوية يمر بقدر ما يمر عبر تضامن الدولة عبر تنافسية المجالات الترابية.
إعادة التفكير في الحكامة الميزانياتية
تفتح مذكرة التأطير، إلى جانب هذه الملاحظات، نقاشاً أوسع حول حكامة المالية العمومية. فهي تكشف حدود الجدولة الزمنية المؤسساتية الحالية.
ويستحق الأمر إطلاق تفكير من أجل تحقيق قدر أكبر من التوافق بين الأجندة الانتخابية والأجندة الميزانياتية. فتنظيم الانتخابات التشريعية خلال شهر يونيو من السنة الأخيرة للولاية التشريعية من شأنه أن يمنح الحكومة المقبلة الوقت اللازم لتشكيل أغلبيتها، وإعداد برنامجها، وتحضير أول مشروع قانون للمالية في ولايتها. وبذلك، يصبح هذا المشروع الترجمة الميزانياتية الحقيقية للالتزامات التي عُرضت على الناخبين.
وينبغي أن يواكب هذا التفكير تسريع إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية. فهذا الإصلاح، الذي طال انتظاره لسنوات، لا ينبغي أن يقتصر على تعديلات تقنية. بل يتعين أن يعزز البعد الاستراتيجي لمذكرة التأطير، ويوضح الأدوار المنوطة بكل من السلطات السياسية والإدارة، ويحسن تقييم السياسات العمومية، ويكيف المساطر الميزانياتية مع متطلبات حكامة حديثة تقوم على المسؤولية والشفافية والنجاعة.
وفي نهاية المطاف، تتجاوز مذكرة تأطير مشروع قانون المالية لسنة 2027 مجرد كونها وثيقة تحضيرية لإعداد الميزانية. فهي تشكل وثيقة انتقالية بين ولايتين تشريعيتين، وتكشف عن عدد من تحديات الحكامة الميزانياتية في المغرب. وتكمن أهميتها الأساسية ليس في الأولويات التي تسردها بقدر ما تكمن في الأسئلة المؤسساتية التي تثيرها.
إن جودة الحكامة الميزانياتية لا تقاس فقط بمدى متانة التوازنات المالية أو بطموح البرامج المعلنة، وإنما تتوقف أيضاً على القدرة على تحقيق انسجام بين الاستمرارية الاستراتيجية للدولة، والشرعية الديمقراطية المنبثقة عن الانتخابات، وفعالية القرار العمومي. وحده هذا التوفيق كفيل بأن يجعل الميزانية تؤدي وظيفتها كاملة، ليس فقط باعتبارها أداة لتدبير المالية العمومية، وإنما أيضاً باعتبارها رافعة حقيقية للتنمية، والتماسك الاجتماعي، والإنصاف الترابي.
