مغرب السرعتين… حين يسبق النموُّ التنميةَ ويتأخر الإنسان

الوطن24/ إعداد: ذ. السعيد شخمان
مقدمة: سؤال المغرب الذي لا يسير بالوتيرة نفسها
ليس المغرب بلداً يسير كله بالسرعة نفسها. فبينما تتقدم مجالات ومراكز حضرية وجهات بسرعة لافتة، وتستفيد من الاستثمار والبنيات التحتية والتجهيزات والخدمات وفرص الشغل، ما تزال مجالات أخرى تعاني بطء الحركة التنموية، وضعف التجهيز، وهشاشة الاقتصاد المحلي، ومحدودية الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وهكذا نشأ، بصورة تدريجية، «مغرب السرعتين»: مغرب تتراكم فيه المشاريع والاستثمارات والفرص في بعض المجالات، ومغرب آخر يظل ينتظر نصيبه من التنمية؛ مغرب تتسارع فيه المدن الكبرى والمراكز الاقتصادية، ومجالات قروية وشبه حضرية تكافح من أجل الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
ولا يتعلق الأمر فقط بفارق بين مدينة وقرية، أو بين جهة وأخرى، وإنما بظاهرة متعددة الأبعاد تشمل السكان والمجال والعمران والاقتصاد والاستثمار والثروة والخدمات والتعليم والصحة والنقل والتشغيل والرقمنة والبيئة وجودة الحياة.
ومن هنا تطرح الظاهرة سؤالاً مركزياً:
كيف يمكن بناء نموذج تنموي مستدام وعادل، في ظل استمرار مغرب يسير بسرعتين، حيث تتقدم بعض المجالات والفئات بسرعة تفوق قدرة مجالات وفئات أخرى على اللحاق بها؟ وهل تستطيع السياسات العمومية أن تحول هذا التفاوت من مصدر للاختلال والاحتقان إلى فرصة لبناء تنمية متوازنة ومجال وطني أكثر عدلاً وتماسكاً؟
أولاً: مغرب السرعتين… من التفاوت الطبيعي إلى الاختلال البنيوي
التفاوت بين المجالات ليس ظاهرة مغربية خالصة، فهو موجود في مختلف الدول والمجتمعات. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول التفاوت إلى اختلال مستمر يعيد إنتاج نفسه.
فالمجال الذي تتوفر فيه البنيات الأساسية يستقطب مزيداً من الاستثمارات، والاستثمارات تخلق فرصاً للشغل، وفرص الشغل تجذب السكان والكفاءات، وتزايد السكان يدفع إلى تطوير الخدمات، فتتولد حلقة متصاعدة من النمو.
وفي المقابل، فإن المجال الذي يعاني ضعف التجهيز والاستثمار يفقد جاذبيته، ويهاجر منه الشباب والكفاءات، وتتراجع فيه فرص العمل، فتزداد هشاشته ويصبح أكثر اعتماداً على التحويلات والمساعدات.
وهكذا لا يعود الأمر مجرد فرق في السرعة، بل يتحول إلى مسارين تنمويين مختلفين.
ثانياً: السرعتان السكانيتان… حين لا تتوزع الفرص كما يتوزع السكان
التوزيع السكاني أحد أبرز مظاهر مغرب السرعتين.
فالكثافة السكانية والتمركز الحضري يرتبطان بدرجة كبيرة بتوفر فرص العمل والخدمات والاستثمارات. لذلك تستمر بعض المدن والمراكز في استقطاب السكان، بينما تعرف مجالات أخرى نزيفاً ديموغرافياً، خصوصاً مع هجرة الشباب بحثاً عن التعليم أو العمل أو ظروف عيش أفضل.
وهنا تظهر مفارقة عميقة:
المواطن لا يختار دائماً المدينة لأنها أفضل، وإنما قد يضطر إلى مغادرة مجاله لأن الفرص لم تصل إليه.
وتترتب عن ذلك نتائج متشابكة: ضغط على المدن، ارتفاع الطلب على السكن والنقل والخدمات، واتساع الأحياء الهامشية، وفي المقابل شيخوخة بعض المجالات القروية وتراجع حيويتها الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثاً: السرعتان المجالية والعمرانية
تظهر الفوارق بصورة أكثر وضوحاً في المشهد العمراني.
فهناك مدن ومراكز تتوسع بسرعة، وتعرف تحولاً في بنيتها التحتية وشبكات النقل والخدمات والمرافق، بينما ما تزال مناطق أخرى تعاني خصاصاً في التجهيزات الأساسية أو ضعف الربط بشبكات النقل والماء والصرف الصحي والإنترنت والخدمات العمومية.
والخطر هنا أن يتحول التوسع العمراني السريع إلى نمو حضري غير متوازن.
فالمدينة قد تكبر جغرافياً وسكانياً، دون أن تكبر بالوتيرة نفسها قدرتها على توفير المدرسة والمستشفى والنقل والمساحات الخضراء وفرص العمل والخدمات الثقافية والاجتماعية.
وبذلك يصبح العمران أحياناً مؤشراً على النمو أكثر مما يكون مؤشراً على التنمية.
رابعاً: مغرب بسرعتين اقتصاديتين
في المجال الاقتصادي تبدو الفجوة أكثر حساسية.
فبعض الجهات والمدن تتمتع بمقومات اقتصادية قوية، وبنية استثمارية متقدمة، وشبكات لوجستيكية ومؤسساتية، وقدرة أكبر على خلق الثروة.
وفي المقابل، تعتمد مناطق أخرى على أنشطة محدودة الإنتاجية، أو على الفلاحة التقليدية، أو التجارة الصغيرة، أو الاقتصاد غير المهيكل.
المشكلة ليست في اختلاف الأنشطة الاقتصادية، وإنما في عدم تكافؤ القدرة على إنتاج الثروة وتوزيعها والاستفادة منها.
فإذا تركز الاستثمار حيث توجد أصلاً أفضل الشروط، فإن المناطق المتأخرة قد تجد نفسها في حلقة مفرغة:
ضعف الاستثمار ← ضعف فرص العمل ← هجرة الكفاءات والشباب ← ضعف الطلب المحلي ← ضعف الجاذبية الاقتصادية ← استمرار ضعف الاستثمار.
وهنا تصبح التنمية المجالية ضرورة اقتصادية، وليست مجرد خيار اجتماعي.
خامساً: مغرب الثروات المتفاوتة
المغرب يتوفر على ثروات طبيعية وبشرية ومجالية متنوعة، غير أن الاستفادة منها ليست بالضرورة متوازنة.
فالمجال الذي يمتلك موقعاً استراتيجياً أو مورداً طبيعياً أو بنية تحتية قوية يستطيع تحويل مؤهلاته إلى قيمة مضافة بصورة أسرع من مجال يفتقر إلى شروط الاستثمار.
ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط:
أين توجد الثروة؟
بل:
كيف تتحول الثروة إلى تنمية محلية، وإلى فرص شغل، وإلى خدمات، وإلى رفاه اجتماعي؟
فالثروة التي لا تنعكس على حياة السكان تظل محدودة الأثر التنموي، مهما كانت قيمتها الاقتصادية.
سادساً: التعليم والصحة… السرعة التي تحدد مستقبل الإنسان
ربما تكون أخطر مظاهر مغرب السرعتين تلك المرتبطة بالرأسمال البشري.
فالتفاوت في جودة التعليم، وفي القرب من المؤسسات الصحية، وفي توفر الأطر والتجهيزات، لا ينتج فقط تفاوتاً في الحاضر، وإنما يصنع تفاوتاً في المستقبل.
الطفل الذي يولد في مجال تتوفر فيه مدرسة جيدة، ونقل مدرسي، ومؤسسات صحية، ومرافق ثقافية ورقمية، لا يبدأ حياته من النقطة نفسها التي يبدأ منها طفل يعيش في مجال يعاني الخصاص.
ومن هنا فإن تكافؤ الفرص ليس شعاراً أخلاقياً فقط، بل هو جوهر العدالة التنموية.
سابعاً: السرعتان الرقميتان… الفجوة الجديدة
لم تعد الفوارق التنموية تقاس بالطرق والمستشفيات والمدارس فقط.
هناك اليوم فجوة رقمية تتعلق بسرعة الإنترنت، والولوج إلى التكنولوجيا، والقدرة على استعمال الخدمات الرقمية، والمهارات الرقمية، والاستفادة من الاقتصاد الرقمي.
وإذا كان التحول الرقمي يفتح أبواباً جديدة للتعليم والعمل والاستثمار والإدارة، فإن بقاء مناطق أو فئات خارج هذا التحول قد ينتج شكلاً جديداً من التهميش.
لقد أصبح الاتصال بالعالم شرطاً من شروط المشاركة في الاقتصاد والمجتمع.
ثامناً: مغرب السرعتين في التشغيل والدخل
لا يمكن الحديث عن التنمية دون الحديث عن العمل.
فالعمل هو الجسر الذي يربط المواطن بالكرامة والاستقلال الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
وحين تتفاوت فرص الشغل بين المجالات، فإن ذلك يؤدي بصورة طبيعية إلى إعادة توزيع السكان نحو المجالات الأكثر قدرة على توفير العمل.
ومن هنا تتغذى الهجرة الداخلية، ثم الخارجية، ويصبح المجال الذي يفقد شبابه أقل قدرة على تجديد اقتصاده، بينما تتحمل المدن المستقبلة أعباء إضافية.
وهكذا فإن أزمة التشغيل ليست منفصلة عن الأزمة المجالية؛ فهما وجهان لظاهرة واحدة.
تاسعاً: مغرب السرعتين وجودة الحياة
التنمية في جوهرها ليست أرقاماً عن الناتج أو الاستثمارات أو عدد المشاريع.
إنها قبل كل شيء نوعية حياة الإنسان.
فما قيمة ارتفاع المؤشرات الاقتصادية إذا كان المواطن يعاني صعوبة في الوصول إلى المستشفى؟ وما قيمة الطرق إذا لم يجد الشاب فرصة عمل؟ وما قيمة التوسع العمراني إذا لم توفر المدينة فضاءات للعيش الكريم؟ وما قيمة الرقمنة إذا ظلت فئات واسعة عاجزة عن الاستفادة منها؟
لذلك يجب أن ينتقل قياس التنمية من سؤال:
كم أنجزنا؟
إلى سؤال أكثر عمقاً:
كيف تغيرت حياة المواطن بعد ما أنجزناه؟
عاشراً: السرعتان والتنمية المستدامة
إن استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية بهذا الشكل يمكن أن يصبح عائقاً أمام التنمية المستدامة.
فالتنمية المستدامة تقوم على التكامل بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة والمجال.
أما عندما تتقدم بعض المجالات بسرعة كبيرة بينما تتأخر أخرى، فإن الاختلالات تنتقل من مستوى إلى آخر:
من المجال إلى السكان،
ومن السكان إلى الاقتصاد،
ومن الاقتصاد إلى الخدمات،
ومن الخدمات إلى جودة الحياة،
ومن جودة الحياة إلى الثقة في المستقبل.
وهكذا يصبح مغرب السرعتين تحدياً استراتيجياً للدولة والمجتمع، وليس مجرد قضية تقنية تخص التخطيط الترابي.
الحادي عشر: لماذا يستمر مغرب السرعتين؟
لا يمكن اختزال الظاهرة في سبب واحد.
فهناك عوامل تاريخية وجغرافية واقتصادية، إلى جانب تفاوتات في البنية التحتية والاستثمار والموارد البشرية، ودرجة الجاذبية الاقتصادية، وطبيعة الأنشطة المنتجة، والربط بشبكات النقل والاتصال.
لكن هناك عاملاً بالغ الأهمية يتمثل في تراكم الاختلالات.
فالمجال المتقدم يستفيد من تقدمه، والمجال المتأخر يتحمل تكلفة تأخره.
وهنا ينبغي للسياسات العمومية ألا تكتفي بمبدأ المساواة الحسابية في توزيع المشاريع، لأن المساواة بين مجالات غير متساوية قد تؤدي عملياً إلى استمرار عدم المساواة.
المطلوب هو الإنصاف: أي إعطاء المجال الأكثر هشاشة قدرة أكبر على اللحاق.
الثاني عشر: من العدالة الاجتماعية إلى العدالة المجالية
العدالة الاجتماعية لا يمكن فصلها عن العدالة المجالية.
فالمواطن لا يعيش في الفراغ، وإنما يعيش في قرية أو مدينة أو جهة، والمجال الذي يعيش فيه يحدد إلى حد بعيد فرصه في التعليم والعمل والصحة والنقل والثقافة والاستثمار.
لذلك فإن تحقيق العدالة يقتضي أن تصبح المجالية جزءاً أصيلاً من السياسة الاجتماعية والاقتصادية.
فلا يكفي أن نساعد الفرد على تجاوز هشاشته، بل يجب أن نساعد المجال الذي يعيش فيه على تجاوز أسباب هشاشته.
الثالث عشر: كيف ننتقل من مغرب السرعتين إلى مغرب السرعة المتوازنة؟
المطلوب ليس إبطاء المجالات المتقدمة، وإنما تسريع المجالات المتأخرة.
وهذه نقطة جوهرية.
فالتنمية لا ينبغي أن تقوم على شد المتقدم إلى الخلف، وإنما على تمكين المتأخر من اللحاق.
ويتطلب ذلك رؤية متكاملة تقوم على:
- توجيه الاستثمار نحو المجالات الأقل استفادة، وفق معايير واضحة للإنصاف المجالي.
- تقوية المدن المتوسطة والمراكز الصاعدة لتخفيف الضغط عن المدن الكبرى.
- إعادة بناء الاقتصاد المحلي على أساس تثمين خصوصيات كل جهة.
- خلق فرص العمل بالقرب من السكان بدل دفعهم إلى الهجرة بحثاً عنها.
- تقوية التعليم والصحة والخدمات الأساسية في المجالات الأكثر هشاشة.
- تسريع التحول الرقمي وتقليص الفجوة الرقمية.
- ربط المناطق القروية وشبه الحضرية بشبكات النقل واللوجستيك والاتصال الحديثة.
- دعم المقاولات المحلية والشباب والابتكار باعتبارهم محركات للتنمية المجالية.
- ربط المشاريع الكبرى بأثرها المحلي حتى تتحول إلى رافعة للاقتصاد والسكان، لا إلى مجرد بنية تحتية.
- اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس الفوارق المجالية ومتابعة تطورها بصورة دورية.
الرابع عشر: نحو عقد تنموي جديد بين المجال والمواطن
قد يكون التحدي الأكبر هو الانتقال من منطق المشروع إلى منطق الأثر.
فالمشروع ليس غاية في ذاته.
الطريق وسيلة، والمستشفى وسيلة، والمدرسة وسيلة، والميناء وسيلة، والقطار وسيلة، والرقمنة وسيلة.
أما الغاية فهي الإنسان.
وعندما يشعر المواطن بأن التنمية وصلت إلى مجاله، وأنها وفرت لأبنائه تعليماً أفضل، وله عملاً أكثر استقراراً، ولأسرته صحة أفضل، ولمدينته أو قريته شروطاً أفضل للعيش، فإن التنمية تتحول إلى واقع محسوس، لا إلى خطاب مجرد.
خاتمة: هل يستطيع المغرب أن يسير بسرعة واحدة؟
إن «مغرب السرعتين» ليس قدراً محتوماً، لكنه أيضاً ليس ظاهرة يمكن تجاوزها بالخطاب وحده.
فالمغرب الذي يريد أن يدخل مرحلة جديدة من التنمية يحتاج إلى أن يجعل تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية جزءاً من صميم مشروعه الاستراتيجي.
والتحدي ليس أن تتوقف الجهات المتقدمة عن التقدم، بل أن تتقدم الجهات المتأخرة بوتيرة أسرع.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة ليس:
كم حقق المغرب من النمو؟
وإنما:
هل أصبح هذا النمو قادراً على الوصول إلى كل مغربي، في كل جهة، وفي كل مدينة وقرية، وبنفس الحق في الكرامة والفرصة والمستقبل؟
فالمغرب لا يحتاج إلى مغرب يسير كله بالسرعة نفسها، بقدر ما يحتاج إلى مغرب تتقارب فيه السرعات، وتتقلص فيه المسافات بين المركز والهامش، وبين المدينة والقرية، وبين الثروة والإنسان، وبين النمو والتنمية.
وعندما يصبح التقدم الذي تعرفه بعض المجالات رافعة لتسريع المجالات المتأخرة، لا سبباً لتعميق الفوارق، يمكن عندها الانتقال من “مغرب السرعتين” إلى مغرب الفرص المتكافئة، والتنمية المتوازنة، والمجال المتضامن.
وهنا فقط تصبح التنمية المستدامة مشروعاً وطنياً مشتركاً، لا مسارات متفاوتة على خريطة واحدة.
