الأولوية للإنسان

الوطن 24/ بقلم: سليمان الهواري
لا نريد قوة لا تخدم حاجات الإنسان ..
وهاهي أمريكا لا تنفعها بوارجها وترساناتها النووية أمام فيروس صغير قاتل ..
لا نريد اقتصادا لا يخدم الإنسان
وهاهي أكبر الإتحادات الإقتصادية الأوروبية والأمريكية ترتبك أمام استحقاق فيروس صغير دمر الأسواق وقاد محركها النفطي للشلل شبه التام ..
لا نريد سياسة لا تخدم الإنسان
فطغيان جبابرة العالم و احتلالهم لبلاد المستضعفين ونهب خيراتهم لم تقد إلا للتغول وفقدان الحس الإنساني البسيط ليستيقظ العالم على فشل كلي لسياسات الكبار ومنظماتهم الكبيرة أمام وحش لا يرى بالعين المجردة فلم تسلم ملكة ملكات بريطانيا ولا الوزراء ولا البرلمانيون ولا الأطباء ولا الميكانيكي ولا الفلاح ولا الأسود ولا الأبيض ولا الهندي ولا المسلم ولا البوذي ولا الملحد ولا العلماني .. لنفهم متأخرين ان العالم هو الإنسان كل انسان ..
لا نريد دينا لا يخدم الإنسان
نريد دينا يعلي شأن الإنسان و يعلي لغة المحبة و السلام ولا رجوع للغة الحروب المقدسة و حروب الله في الأرض من أجل اجتثات الإنسان واحتلال أرضه باسم الديموقراطية أو باسم نشر الحضارة او باسم التبشير ونشر الأخلاق أو باسم الفتوحات و نشرالدعوة والدين .. كل إنسان هو إنسان وكفى به حقا في الحياة والحرية والعدالة والاكتفاء والإستقلال والفرح في الأرض ..
نريد عالما موحدا لا تشتغل إفريقيا فيه عبدا و خادما عند الأمريكي والفرنسي البلجيكي ينهب ثرواتها وخيراتها ويصنع سياساتها و يستنزف اقتصادها ويقهر مواطنها البسيط بلغة السلاح والقتل والإرهاب ..
نريد دولا مستقلة في قرارها و في خيراتها وفي صناعاتها وزراعتها و تجارتها لا تربط نفسها بدورة اقتصاد المستعمر ونفسية النقص وقد أبانت جائحة كورونا ألا أحد أفضل من أحد ..
نريد دولا تشجع شبابها ونسائها و رجالها وهاهم بعض شباب مغربنا الرائع يبادرون إلى الإنتفاضة الفكرية و يصنعون بوسائلهم الذاتية أجهزة للتنفس الإصطناعي محلية الصنع رخيصة الثمن مقارنة بمثيلتها الدولية كمثال فقط ..
نريد كما أجبرتنا عليه الجائحة أن نعترف بسلوكنا و سياساتنا أن الممرض و الطبيب والصيدلي وصحة الإنسان أولوية يجب أن نعيد لها قداستها فمن يحافظ على صحتنا الآن سوى الطبيب ومن معه ..
من لنا غير المعلم والأستاذ يحافظ الآن على فلذات أكبادنا في كل بيت فوق الأرض يجاهد من خلال التعليم عن بعد كضرورة وهو من أفنى العمر تدريسا و تعليما وتربية في فصول ومدارس وجامعات لا أحد كان يهتم بها قبل الجائحة فهل عالم يقوم بلا معلم إلا عالم جاهل يسقط أمام أول استحقاق معرفي و علمي وهاهو جاء زمن تحت مطرقة الضرورة لنعترف أن المعلم والتعليم أولوية في العالم وداخل الوطن ..
كيف كان سيكون حالنا لولا القائدة حورية كرمز ورجال الأمن في ثوبهم الجديد ونماذج جديدة للسلطة تبرز بلغة جديدة ونفسية جديدة وإحساس مواطن جديد يبني لعلاقة مواطنة جديدة تعيد الثقة من أجل مصالحة تاريخية بين الدولة والمجتمع وتبني ثقافة السفينة الواحدة لا يزيغ عنها إلا هالك فلا الأموال المهربة نفعت ولا الجنسيات الأجنبية نفعت ولا العلاقات الدولية نفعت .. هل كان يحس المغاربة أن لهم جيشا وطنيا قادرا على حماية بلدهم ويمتلك طاقات تخصصية كبيرة يعترف الجميع أنها ساهمت بشكل كبير في حسم قرار الحجر الصحي والتدخل المباشر لتدبير الأزمة وإعادة الثقة للناس أن زمن الجائحة متحكم فيه ولن يطول ..
انه مغربنا الجميل حقا ووطننا النهائي والأخير .. هنا سنعيش جميعا و هنا سيعيش أحفادنا وهنا سنموت بكرامة وسندفن بكرامة ..
كيف كان سيكون حالنا لولا الفلاح الذي يؤمن لنا كل صباح ما نأكله الآن داخل محجرنا الصحي ..
كيف كنا سنكون لولا عمال النظافة الذين بكل أنواعهم يحاربون الفيروس بوسائلهم البسيطة ويغامرون بحياتهم في شوارعنا التي قد تكون موبوءة لكنهم كل صباح يجددون عهد الوطن ويسارعون بمكنساتهم إلى دروبنا الخلفية لينظفوها حتى تنعم عيوننا بحي جميل ومدينة جميلة ووطن جميل ..
كيف كان سيكون حالنا لولا الفئة العريضة من الشعب المغربي التي بادرت هي الأولى بنشر الوعي بكل الوسائل للتحذير من الفيروس الخبيث والحث على الالتزام بتعليمات الحجر الصحي والمبادرة الاجتماعية للتضامن بشكل شعبي غير مسبوق ومن كل الفئات والطبقات والانتماءات في لحمة وطنية ناذرة بعيدا عن لغة الدولة التي تستثمر في الأزمة لتثبيت قبضتها الحديدية التي يرفعها كثيرون لنتساءل ماذا لو سلكنا نهج إيطاليا وإسبانيا مع تواضع ممكناتنا .. ماذا كنا سنجني سوى الجثث المترامية في الشوارع على نموذج الاكوادور ..
نحن جميعا مقتنعون أن زمن ما بعد الكورونا يستحيل أن يكون هو نفسه ما قبلها على المستوى الدولي و المستوى الداخلي فما نراه يؤشر يقينا إلى زوال المؤسسات الكبيرة دوليا و إعادة ترتيب خريطة التحالفات الكونية وهذا يهمنا يقينا فلا معنى أن نستمر في نفس التبعية لحليف فاشل خذلنا خلال الأزمة .. علينا جميعا أن نستثمر في هذا الشعور الوطني بشكل إيجابي حقا وننزل من أبراج فلسفاتنا الوثوقية النهائية باعتبارها الحقيقة المطلقة و لنتساكن جميعا داخل المشترك الإنساني والوطني من أجل مغرب الجميع ، مغرب العدالة والحرية والكفاية والأمن .. مغرب المعرفة والتنمية والأمل .. مغرب الحياة ..
ولتظل حقا الأولوية للإنسان ..

