التحول في العقلية الرياضية بالمغرب: من المشاركة إلى تحقيق الانتصارات.

الوطن 24/ إعداد: عبد الهادي العسلة.

على مر العقود، كانت المشاركة المغربية في الأولمبياد وغيره من المسابقات الدولية محدودة الإنجازات، باستثناء بعض رياضات مثل ألعاب القوى والملاكمة، التي حققت فيها المغرب بعض النجاحات البارزة. إلا أن هذه الإنجازات كانت نادرة ومحصورة في عدد محدود من الرياضيين، مما جعل الجماهير المغربية تتقبل لفترة طويلة أن المشاركة وحدها في هذه المنافسات هو الإنجاز بحد ذاته.
لكن مع تطور الوعي الرياضي لدى الجمهور المغربي، تغيرت هذه النظرة، وأصبحت ثقافة الانتصار تحتل مكانة أكبر من مجرد المشاركة. فقد بدأت الجماهير تطالب بمحاسبة الجامعات الرياضية وتحقيق النتائج المرجوة، خاصة بعد النجاحات التي حققها منتخب كرة القدم المغربي في كأس العالم بقطر 2022، والتي أشعلت روح الطموح والانتصار لدى المغاربة.
1. نجاحات محدودة في تاريخ الأولمبياد
منذ أن بدأ المغرب المشاركة في الألعاب الأولمبية، كانت الإنجازات مقتصرة على رياضات معينة، وبشكل خاص ألعاب القوى والملاكمة. ففي ألعاب القوى، كانت بداية الإنجازات مع المرحوم عبد السلام الراضي الذي حصل على الميدالية الفضية في سباق الماراثون في أولمبياد روما 1960، واستمرت هذه السلسلة مع عدائين آخرين مثل سعيد عويطة وهشام الكروج وسفيان البقالي، حيث أضافوا ميداليات ذهبية وفضية إلى رصيد المغرب.

أما في رياضة الملاكمة، فقد كان للأخوين عشيق، وكذلك الطاهر التمسماني ومحمد الربيعي، دور بارز في تحقيق الميداليات للمغرب. هذه النجاحات كانت مصدر فخر للمغاربة، لكنها كانت محدودة ولم تشمل مجموعة واسعة من الرياضات الأخرى التي بقيت نتائجها مخيبة للآمال.
2. قفزة تاريخية لكرة القدم وتغيير في العقلية الجماهيرية
جاءت دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو 2021، لتشهد إنجازًا غير مسبوق للمغرب في رياضة كرة القدم، حيث تمكن المنتخب المغربي من تحقيق الميدالية البرونزية، في إنجاز هو الأول من نوعه في تاريخ كرة القدم المغربية في الأولمبياد. هذا الإنجاز لم يكن صدفة، بل جاء تتويجًا لجهود طويلة في تطوير كرة القدم الوطنية على مستوى الفئات العمرية، وتعزيز البنية التحتية الكروية.
هذا النجاح الكبير في كرة القدم لم يكن له تأثير فقط في الوسط الرياضي، بل تجاوز ذلك ليؤثر على عقلية الجماهير المغربية، التي بدأت تطالب بتحقيق نتائج مشابهة في بقية الرياضات. لم يعد الجمهور المغربي يرضى بالمشاركة فقط، بل أصبح يطالب بالانتصار والصعود إلى منصات التتويج.
3. ثقافة الانتصار: بداية جديدة أم تحدي جديد؟
مع نجاحات كرة القدم المغربية في مونديال قطر 2022، حيث وصل المنتخب المغربي إلى نصف النهائي وحقق المركز الرابع، ترسخت ثقافة الانتصار في نفوس المغاربة. هذا النجاح لم يكن مجرد إنجاز رياضي، بل كان تحولاً في الوعي الرياضي الوطني. أصبح الجمهور يعي أن المغرب قادر على المنافسة على أعلى المستويات العالمية، وأن الفشل لم يعد مقبولاً كما كان في الماضي.

لكن هذا التحول في الثقافة الرياضية يأتي مع تحديات جديدة. فالمطالب الجماهيرية المتزايدة لتحقيق الانتصارات في مختلف الرياضات تضع ضغوطًا كبيرة على الجامعات الرياضية المغربية. لم يعد الجمهور يكتفي بتبريرات عدم الجاهزية أو قلة الموارد. أصبح هناك وعي أكبر بضرورة الاستثمار في البنية التحتية الرياضية، وتطوير الكفاءات الوطنية، ووضع خطط استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة.
4. محاسبة الجامعات الرياضية: خطوة نحو التغيير؟
مع تزايد الوعي الجماهيري بضرورة تحقيق الإنجازات، أصبحت المطالب بمحاسبة الجامعات الرياضية أكثر إلحاحًا. الجماهير المغربية لم تعد تقبل استمرار المسؤولين الرياضيين في مناصبهم دون تقديم نتائج ملموسة. أصبحت هناك دعوات لإنهاء عهد “المعمرين” في الجامعات الرياضية، الذين بقوا في مناصبهم لسنوات دون تحقيق أي تطور يُذكر في الرياضات التي يديرونها.

المطالبة بالمحاسبة ليست فقط للمسؤولين عن النتائج الرياضية، بل أيضًا لتشمل سياسات التطوير والبنية التحتية. هناك حاجة إلى استراتيجيات جديدة تستهدف تطوير الرياضات التي لم تحقق نجاحات كبيرة حتى الآن. هذه الاستراتيجيات يجب أن تكون مدعومة بخطط استثمارية، وبرامج تدريبية حديثة، وتأهيل مستمر للكوادر الرياضية.
5. الطريق إلى الأمام: استراتيجيات لتحقيق النجاح
إذا أراد المغرب الاستمرار في تحقيق النجاحات الرياضية على الساحة الدولية، فيجب أن تكون هناك رؤية واضحة ومستدامة. يجب أن تتضمن هذه الرؤية:
تطوير البنية التحتية الرياضية: بناء وتحديث المنشآت الرياضية لتلبية متطلبات التدريبات والمنافسات على أعلى المستويات.
الاستثمار في الفئات العمرية الشابة: تطوير برامج رياضية للفئات العمرية المختلفة لتأمين قاعدة قوية من الرياضيين في المستقبل.
تأهيل الكوادر الرياضية: تدريب وتطوير المدربين والمسؤولين الرياضيين لضمان تحقيق أعلى مستويات الأداء.
تطوير رياضات جديدة: دعم رياضات جديدة لم تحقق فيها المغرب نجاحات كبيرة من قبل، من خلال توفير التمويل والموارد اللازمة.
إن التحول في العقلية الرياضية المغربية من ثقافة المشاركة إلى ثقافة الانتصار يمثل خطوة إيجابية نحو مستقبل رياضي مشرق. لكن لتحقيق هذا المستقبل، يجب أن تكون هناك محاسبة مستمرة وتطوير دائم للسياسات والبرامج الرياضية. إذا تم تبني هذه الخطوات بجدية، فإن المغرب قادر على تحقيق المزيد من النجاحات الرياضية على المستوى الدولي، وجعل الأجيال القادمة تفخر بما تحققه بلادها في الساحة الرياضية العالمية.

