الفاهم يفهم… الإعاقة التي لا تُرى

ليست الإعاقة أن يتعثر الجسد أو يضعف العظم… الإعاقة الحقيقية هي أن يعجز العقل عن الارتقاء، وأن يختار الإنسان الضيق الفكري بدل سعة الفهم، والضوضاء بدل نور الوعي.

نحيّي أصحاب الهمم العالية الذين أثبتوا أن الكرسي المتحرك لا يمنع الصعود، وأن العكاز لا يحجب طريق الإبداع، وأن الإعاقة لم تكن يوماً حاجزاً أمام عقلٍ متقدٍ أو روحٍ متوهجة.
فهؤلاء هم أصحاب الإرادة، لا أصحاب الأعذار… هم الذين ألهموا المجتمعات، وصنعوا الفارق، وتركوا بصمات لا يمحوها الزمن.

لكن المؤلم حقاً أن نرى في المقابل من يسيرون على أقدامهم، بينما عقولهم مكبّلة…
يتحدثون كثيراً عن الصحافة والإصلاح وحماية المهنة، لكنهم أبعد الناس عن جوهرها.
يرفعون الصوت دفاعاً عن القلم، بينما أقلامهم خاوية من المبدأ، ومواقفهم ترتجف مع أول اختلاف.
يدّعون أنهم “فرسان المهنة”، فيما هم لا يمتطون سوى حصان من ورق… لا هو قوة وعي، ولا صلابة مبدأ.

فالصحافة — كما قال الأسلاف — لا يحميها ارتفاع الصوت، بل نقاء الفكر.
ولا يطهرها من يلوّح بالشعارات، بل من يتحمل مسؤولية الكلمة، ويدرك أن المهنية ليست هياجاً، بل أخلاقاً وميزاناً وتبصراً.

أما الذين يوزعون الاتهامات باسم النقد، ويكتبون بمداد التصفية لا البناء، فهم — مهما ادّعوا الحراسة — ليسوا من الضوء… بل من العتمة.

الإعاقة ليست في الجسد.
الإعاقة في الفكر حين يضيق، وفي العقل حين يُغلق، وفي الضمير حين يصمت.

المعاق الحقيقي ليس من فقد خطوة… بل من فقد بصيرة.
أما صاحب الهمّة — ولو فقد عضواً — فهو أوسع أفقاً وأعلى مقاماً، لأنه يمشي بعقله لا بقدمه، ويرى ببصيرته لا بعينه.

والفاهم… يفهم.