المغرب أمام امتحان الصناديق.. 15.8 مليون ناخب والسؤال الذي يربك الأحزاب: من سيصنع خريطة البرلمان المقبل؟

15 مليوناً و801 ألفاً و162 ناخباً. ليس مجرد رقم عابر في جداول الإدارة، بل كتلة انتخابية ضخمة ستدخل، في 23 شتنبر المقبل، إلى واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية في المغرب.

وراء هذا الرقم توجد مدن وقرى، رجال ونساء، شباب وكبار سن، وناخبون قد يقررون المشاركة أو العزوف. وبين هؤلاء جميعاً ستجري المعركة الحقيقية التي لا تحسمها البيانات الانتخابية وحدها، وإنما تحسمها الأصوات التي ستصل فعلياً إلى صناديق الاقتراع.

المعطيات المحينة للوائح الانتخابية العامة، كما تم حصرها في 10 يوليوز 2026 عقب انتهاء عملية المراجعة الاستثنائية، تكشف عن تركيبة انتخابية تحمل أكثر من دلالة، وتضع الأحزاب السياسية أمام أسئلة يصعب تجاهلها.

بحسب الإحصائيات المنشورة على الموقع الإلكتروني listeselectorales.ma، بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15,801,162 ناخباً.

هذا الرقم الكبير قد يبدو في ظاهره مؤشراً على اتساع قاعدة المشاركة السياسية، لكنه لا يقدم وحده جواباً عن السؤال الأهم: كم ناخباً سيغادر منزله يوم 23 شتنبر ويتوجه فعلاً إلى مكتب التصويت؟

وهنا تبدأ المسافة بين المسجل والناخب، وبين الحق في التصويت وممارسة هذا الحق.

فالأحزاب يمكنها أن تتنافس على المقاعد، والمرشحون يمكنهم أن يخوضوا الحملات الانتخابية، لكن النتيجة النهائية ستظل مرتبطة بما ستفرزه صناديق الاقتراع، وبحجم المشاركة التي ستسجلها يوم الانتخابات.

تكشف الأرقام أن الرجال يمثلون 54 في المائة من مجموع المسجلين، مقابل 46 في المائة للنساء.

وبذلك تشكل النساء ما يقارب نصف الهيئة الناخبة الوطنية، وهو ما يجعل أصواتهن رقماً أساسياً في أي قراءة للانتخابات المقبلة.

لكن السؤال السياسي لا يتعلق فقط بعدد النساء المسجلات، بل بمدى حضورهن الفعلي في عملية التصويت، ومدى نجاح الأحزاب والمرشحين في مخاطبة انتظاراتهن وقضاياهن.

على المستوى الجغرافي، تستحوذ المدن على 55 في المائة من مجموع المسجلين، مقابل 45 في المائة بالوسط القروي.

وهذه النسب تكشف عن ثقل انتخابي واضح للوسط الحضري، دون أن تعني في المقابل أن العالم القروي أصبح هامشياً؛ فـ45 في المائة تمثل كتلة انتخابية ضخمة قادرة على التأثير في نتائج العديد من الدوائر.

ومن هنا، فإن أي قراءة للانتخابات المغربية تتجاهل الفارق بين المدينة والقرية ستظل قراءة ناقصة، لأن لكل وسط أولوياته الاجتماعية والاقتصادية وانتظاراته السياسية.

لكن ربما تكون المعطيات العمرية هي الأكثر إثارة للانتباه.

فالأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق يمثلون أكثر من 29 في المائة من مجموع المسجلين، بينما تبلغ نسبة الفئة العمرية بين 35 و44 سنة 21 في المائة، وهي النسبة نفسها تقريباً المسجلة لدى الفئة بين 45 و54 سنة.

أما الفئة بين 25 و34 سنة فتبلغ 15 في المائة، في حين تمثل الفئة من 55 إلى 59 سنة 10 في المائة.

وفي أسفل هذا التوزيع تأتي الفئة العمرية من 18 إلى 24 سنة بنسبة لا تتجاوز 4 في المائة.

وهنا تبرز واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة للنقاش: الشباب، الذي يشكل محوراً دائماً في الخطاب السياسي والحملات الانتخابية، يظهر بنسبة محدودة داخل هذه المعطيات المتعلقة بالمسجلين.

لكن الرقم وحده لا يكفي لإصدار حكم على عزوف الشباب؛ إذ إن انخفاض نسبة هذه الفئة ضمن المسجلين قد يرتبط بعوامل ديموغرافية وإدارية وانتخابية متعددة، كما أن عدد المسجلين لا يساوي بالضرورة نسبة المشاركة الفعلية.

ومع ذلك، يظل السؤال مشروعاً: كيف ستتعامل الأحزاب مع جيل شاب يُراد له أن يكون جزءاً أساسياً من مستقبل المغرب السياسي؟

وفي إطار الاستعدادات التنظيمية، شرعت السلطات الإدارية المحلية منذ 24 غشت 2026 في تسليم الإشعارات الخاصة بمكاتب التصويت.

وتستمر العملية إلى غاية الساعة السادسة مساء من الثلاثاء 22 شتنبر 2026، أي اليوم السابق للاقتراع.

ويهدف الإشعار إلى إخبار الناخبة أو الناخب بمكتب التصويت الذي سيصوت فيه، إلى جانب تذكيره بتاريخ الاقتراع وتوقيت بداية ونهاية عملية التصويت.

لكن الإدارة الانتخابية أوضحت أن هذا الإشعار ليس شرطاً لممارسة حق التصويت، إذ تظل البطاقة الوطنية للتعريف الوثيقة الرسمية اللازمة لإثبات هوية الناخب يوم الاقتراع.

الأرقام الحالية ترسم صورة أولية للهيئة الناخبة، لكنها لا تستطيع وحدها التنبؤ بخريطة البرلمان المقبل.

فالمعادلة الانتخابية أكثر تعقيداً من مجرد عدد المسجلين: هناك المشاركة، وهناك الأصوات المعبر عنها، وهناك المنافسة بين الأحزاب والمرشحين، وهناك في النهاية توزيع المقاعد.

لهذا السبب، فإن الرقم الذي يستحق أن تترقبه الأحزاب بقلق ليس فقط 15.8 مليون مسجل، بل الرقم الذي سيخرج من صناديق الاقتراع بعد إغلاق مكاتب التصويت.

فإذا كان التسجيل يفتح الباب أمام ممارسة الحق الديمقراطي، فإن المشاركة هي التي تحدد حجم الحضور الحقيقي للمواطن داخل العملية الانتخابية.

وفي المغرب، سيكون يوم 23 شتنبر 2026 موعداً لاختبار قدرة الأحزاب على تحويل الخطاب إلى أصوات، وتحويل الوعود إلى ثقة، وتحويل الناخب المسجل إلى ناخب مشارك.

أما صناديق الاقتراع، فستكون وحدها قادرة على كشف الخريطة السياسية التي ستخرج من هذا الاستحقاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *