المغرب: حين يتحدث النائب باسم المواطنين وينشغل المسؤولون بهواتفهم.. هل أصبح الإنصات لمداخلات نواب الأمة ترفاً داخل البرلمان؟

الوطن24/ الرباط
ليست كل الصور بحاجة إلى تعليق طويل حتى تثير النقاش، فبعض المشاهد تختصر أسئلة عميقة حول الممارسة السياسية، واحترام المؤسسات، ومدى استحضار المسؤولين لانتظارات المواطنين. وهذا بالضبط ما تطرحه صورة متداولة من جلسة مناقشة مشروع قانون المالية بالمغرب، ظهر فيها النائب البرلماني أسامة بريك وهو يقدم مداخلته، في الوقت الذي يظهر فيه عدد من المسؤولين جالسين إلى المنصة منشغلين بهواتفهم المحمولة.
المشهد، بصرف النظر عن السياق الكامل الذي التُقطت فيه الصورة، يفتح نقاشاً يتجاوز الأشخاص إلى جوهر العمل البرلماني: هل أصبحت مداخلات ممثلي الأمة مجرد فقرات عابرة في جلسات رسمية، أم أن الإنصات والمساءلة والتفاعل ما زالت تشكل جوهر العلاقة بين الحكومة والبرلمان؟
إن مناقشة قانون المالية ليست مناسبة بروتوكولية، ولا جلسة لاستكمال جدول الأعمال فحسب، بل هي محطة دستورية وسياسية بالغة الأهمية، تُناقش خلالها اختيارات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، وتُطرح فيها أسئلة تتعلق بالقدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والفوارق المجالية، ومستقبل الأجيال المقبلة.
ومن هذا المنطلق، فإن مداخلة أي نائب برلماني، سواء اتفقنا مع مضمونها أو اختلفنا معه، تستحق الحد الأدنى من الاحترام المؤسساتي والإنصات المسؤول. فالنائب لا يتحدث بصفته الشخصية فقط، وإنما يمارس دوراً تمثيلياً يفترض أن ينقل من خلاله انشغالات المواطنين وانتظاراتهم إلى الحكومة.
والسؤال الذي تفرضه الصورة هنا يتعلق بفوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، الذي يفترض أن يكون في قلب النقاش المرتبط بمشروع قانون المالية: هل كان منشغلاً بمتابعة مداخلة النائب أسامة بريك، أم أن هاتفه المحمول استحوذ على انتباهه في تلك اللحظة؟ كما أن ظهور مسؤول آخر منشغلاً بهاتفه يوسع دائرة التساؤل حول طبيعة التفاعل داخل هذه الجلسة.
لا يمكن، بطبيعة الحال، إصدار أحكام نهائية على نوايا الأشخاص انطلاقاً من صورة ثابتة، فقد تكون هناك معطيات أو ظروف لا تظهرها اللقطة. لكن ذلك لا يلغي حق الرأي العام في مساءلة السلوك المؤسساتي، ولا يعفي المسؤولين من ضرورة الحرص على تقديم صورة تليق بمكانة البرلمان وبحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
المشكلة أعمق من هاتف محمول!
فالمغاربة لا ينتظرون من ممثليهم مجرد الحضور إلى قبة البرلمان، ولا من أعضاء الحكومة مجرد الجلوس أمام الكاميرات، بل ينتظرون نقاشاً حقيقياً، وأسئلة جريئة، وأجوبة واضحة، وتفاعلاً يعكس جدية المؤسسات في التعامل مع القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
إن الثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط عبر الخطابات والبرامج الحكومية، بل تتشكل أيضاً من خلال تفاصيل الممارسة اليومية؛ من طريقة الإنصات إلى طريقة الرد، ومن احترام المتدخل إلى احترام المواطن الذي ينتظر نتائج السياسات العمومية.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن إقناع المواطن بأهمية مشاركته في الحياة السياسية، وبضرورة الثقة في المؤسسات المنتخبة، إذا كانت بعض المشاهد البرلمانية تترك لديه انطباعاً بأن النقاش لا يحظى دائماً بالاهتمام الذي يستحقه؟
إن البرلمان المغربي مطالب بأن يكون فضاءً حقيقياً للمراقبة والتشريع والمساءلة، لا مجرد منصة لإلقاء المداخلات وتسجيل الحضور. كما أن المسؤول الحكومي، مهما بلغت مكانته أو حجم الملفات التي يشرف عليها، يظل مطالباً باحترام المؤسسة التي يحضر أمامها، والإنصات إلى ممثلي الأمة.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الرأي العام المغربي: هل ما ظهر في هذه الصورة مجرد لحظة عابرة، أم أنه يعكس خللاً في ثقافة الإنصات والتفاعل داخل بعض جلسات البرلمان؟ وهل يشعر المواطن بأن صوته حاضر فعلاً داخل قبة المؤسسة التشريعية، أم أن همومه تبقى أحياناً خارج قاعة النقاش؟
أسئلة مشروعة لا تستهدف شخصاً بعينه، وإنما تدافع عن قيمة المؤسسات وهيبتها، لأن احترام البرلمان يبدأ باحترام النقاش داخله، واحترام المواطن يبدأ من احترام من يتحدث باسمه.
