المغرب: سوق أربعاء الغرب ورهان التنمية المستدامة وتصويب المسار الانتخابي بنخب مسؤولة

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة

تقترب مدينة سوق أربعاء الغرب من مرحلة سياسية وانتخابية تفرض إعادة النظر في طبيعة الاختيارات المحلية، وفي الأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها الأحزاب السياسية والنخب المنتخبة والفعاليات المدنية، من أجل كسب رهان الديمقراطية والتنمية المستدامة.

فالانتخابات الجماعية المقبلة لا ينبغي اختزالها في مجرد تنافس على المقاعد أو إعادة توزيع مواقع المسؤولية، وإنما يتعين النظر إليها باعتبارها فرصة سياسية ومؤسساتية لإعادة بناء الثقة في العمل الانتخابي، وتصحيح مسار التدبير المحلي، وفتح أفق جديد أمام مدينة تحتاج إلى رؤية تنموية واضحة ونخب تمتلك الأهلية والكفاءة والاستعداد لتحمل المسؤولية.

إن ما يفرض نفسه اليوم هو مراجعة التجارب السابقة، واستخلاص ما أفرزته من تحديات واختلالات في الاختيار والتدبير، والعمل على تجاوز الممارسات التي قد تضعف الثقة في الفعل السياسي المحلي، أو تجعل المسؤولية الانتخابية بعيدة عن أهدافها الأساسية المتمثلة في خدمة الصالح العام. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بإعادة الاعتبار لمعايير الاختيار السياسي، وربط المسؤولية بالكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.

1. الانتخابات الجماعية المقبلة ورهان تصحيح المسار الديمقراطي

إن تصويب المسار الانتخابي يقتضي بلورة إرادة سياسية ومدنية مشتركة، قادرة على تجاوز الاختلافات الحزبية والإيديولوجية، والالتقاء حول الحد الأدنى من المبادئ التي تضمن سلامة الاختيار الديمقراطي ونزاهة التنافس الانتخابي.

ومن هنا تبرز أهمية التفكير في تشكيل جبهة سياسية ومدنية لليقظة الديمقراطية، تكون مهمتها الأساسية حماية المسار الانتخابي من الاختلالات والانحرافات المحتملة، والتصدي لكل الممارسات التي يمكن أن تمس بحرية الناخبين أو تؤثر في استقلالية قرارهم.

ولا يتعلق الأمر بتشكيل تحالف انتخابي ظرفي أو جبهة لمواجهة أطراف سياسية بعينها، وإنما بإيجاد إطار للتنسيق والتشاور والتعبئة، يضم الأحزاب السياسية والنقابات والفعاليات المدنية والحقوقية والكفاءات المحلية، على أساس احترام التعددية والاختلاف، والاحتكام إلى القانون، والدفاع عن المصلحة العامة.

فاليقظة الديمقراطية مسؤولية جماعية، ولا يمكن أن تتحقق في غياب إرادة مشتركة تجعل نزاهة الانتخابات شرطاً أساسياً لأي شرعية تمثيلية.

2. مراجعة التجارب السابقة وبناء جبهة لليقظة الديمقراطية

إن مراجعة التجارب السابقة تقتضي الوقوف عند مختلف المراحل التي عرفها التدبير المحلي بمدينة سوق أربعاء الغرب، وتقييم ما تحقق وما تعثر، واستخلاص الدروس الكفيلة بتطوير الأداء المؤسساتي والسياسي.

فالمطلوب ليس تبادل الاتهامات أو تصفية الحسابات السياسية، وإنما فتح نقاش مسؤول وموضوعي حول حصيلة التجارب السابقة، ومدى استجابتها لانتظارات الساكنة، ومدى قدرتها على تحقيق التنمية المحلية وتحسين جودة الخدمات والمرافق العمومية.

ومن هذا المنطلق، فإن التفكير في جبهة لليقظة الديمقراطية ينبغي أن يستند إلى رؤية واضحة، تجعل من حماية الاختيار الديمقراطي وتعزيز المشاركة المواطنة وتكريس الشفافية أهدافاً مشتركة، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.

3. التنسيق السياسي والمدني وتوحيد الجهود

إن تعدد الفاعلين السياسيين والمدنيين لا ينبغي أن يتحول إلى عامل للتشتت وإضعاف المبادرات، بل يمكن أن يشكل رافعة لتقوية العمل المشترك، متى توفرت إرادة حقيقية لتنسيق المواقف وتوحيد الجهود حول القضايا ذات الأولوية.

ولذلك فإن المرحلة المقبلة تستدعي إطلاق حوار محلي واسع بين مختلف الحساسيات السياسية والنقابية والحقوقية والمدنية، من أجل بناء أرضية مشتركة تضع مصلحة المدينة فوق الاعتبارات الحزبية والحسابات الانتخابية الضيقة.

ويفترض هذا التنسيق الانتقال من منطق ردود الفعل إلى منطق المبادرة الاستباقية، ومن الاكتفاء بتسجيل الاختلالات إلى العمل على توفير شروط تحول دون وقوعها. كما يستدعي الاتفاق على معايير واضحة في تقييم المرشحين والبرامج الانتخابية، وفي مقدمتها النزاهة والاستقامة والكفاءة التدبيرية والقدرة على التواصل مع المواطنين والاستجابة لانتظاراتهم.

إن توحيد الجهود لا يعني إلغاء الاختلافات أو المساس بالتعددية السياسية، بل يعني إيجاد مساحات مشتركة للعمل والتعاون حول القضايا التي تهم مستقبل سوق أربعاء الغرب وساكنتها.

4. الحوار المؤسساتي وضمان شروط التنافس الانتخابي النزيه

لا يمكن بناء مسار انتخابي سليم دون حوار مسؤول مع المؤسسات والسلطات المعنية بتدبير العملية الانتخابية والإشراف عليها، بما يعزز الثقة المتبادلة ويضمن وضوح الاختصاصات واحترام القواعد القانونية المنظمة للاستحقاقات.

فالمطلوب هو توفير مناخ انتخابي يقوم على الحياد والشفافية وتكافؤ الفرص، ويضمن حماية إرادة الناخبين من أي تأثير غير مشروع.

ويكتسي هذا الحوار أهمية خاصة باعتباره مدخلاً للوقاية من الاختلالات، وتحديد المسؤوليات، وتفعيل آليات التتبع والمراقبة القانونية، بما يسمح بالتعامل مع أي تجاوز محتمل وفق المساطر والمؤسسات المختصة.

فالانتخابات النزيهة ليست مسؤولية الإدارة وحدها، ولا الأحزاب وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتطلب التزام جميع الأطراف بروح القانون ومقتضيات المنافسة الديمقراطية.

5. التعبئة الشعبية وحماية الإرادة الانتخابية

تظل الساكنة العنصر الحاسم في تحديد مآلات العملية الانتخابية، باعتبارها صاحبة الحق الأصيل في اختيار ممثليها.

ومن ثم، فإن بناء وعي انتخابي جماعي يشكل مدخلاً أساسياً لتحصين الديمقراطية المحلية من الممارسات التي قد تفرغ الاختيار الشعبي من مضمونه، سواء تعلق الأمر باستعمال المال الانتخابي أو استغلال الحاجة الاجتماعية أو توظيف النفوذ والعلاقات والمصالح الخاصة للتأثير في أصوات الناخبين.

إن التعبئة الشعبية المطلوبة لا ينبغي أن تقتصر على الدعوة إلى المشاركة في التصويت، بل يتعين أن تتجاوز ذلك إلى ترسيخ ثقافة الاختيار الواعي، وتوعية المواطنين بحقوقهم، وتعزيز قناعتهم بأن مستقبل المدينة يرتبط بطبيعة النخب التي يختارونها وبمدى قدرتها على تحمل المسؤولية.

كما أن التصدي للممارسات غير الديمقراطية ينبغي أن يستند إلى التوثيق والاحتكام إلى القانون، بعيداً عن الاتهامات غير المثبتة أو تصفية الحسابات السياسية.

فالمواطن ليس مجرد رقم انتخابي، وإنما شريك أساسي في صناعة القرار المحلي، وصوته ينبغي أن يكون تعبيراً حراً عن قناعته واختياره، بعيداً عن كل أشكال التأثير أو الضغط.

6. إحداث لجان قانونية وسياسية ومدنية للمواكبة والتتبع

ومن أجل تحويل هذه المبادرة إلى عمل منظم، تبرز أهمية التفكير في إحداث لجان متخصصة للمواكبة والتنسيق، تضم كفاءات قانونية وسياسية وحقوقية ومدنية، تتولى دراسة الإطار القانوني للانتخابات، وتتبع المسار الانتخابي، ورصد الاختلالات المحتملة، وتقديم التوجيهات والاستشارات اللازمة، والتواصل مع الجهات المختصة عند الاقتضاء.

ويمكن أن تتوزع هذه المهام بين لجنة قانونية تعنى بالمساطر والضمانات الانتخابية، ولجنة للتنسيق السياسي والحزبي، ولجنة للتواصل والتعبئة المدنية، وأخرى للرصد والتوثيق.

ومن شأن هذا التنظيم أن يمنح العمل المشترك طابعاً عملياً ومؤسساتياً، ويحول دون بقائه مجرد دعوات عامة أو مواقف ظرفية لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

كما أن نجاح هذه اللجان يظل رهيناً باحترام استقلاليتها، ووضوح مهامها، والتزامها بالقوانين الجاري بها العمل، واعتماد الموضوعية والحياد في معالجة مختلف القضايا والملاحظات.

7. من تصحيح المسار الانتخابي إلى تأسيس مشروع تنموي جديد

غير أن الرهان الأساسي الذي ينبغي أن تتجه إليه كل هذه الجهود لا يتوقف عند ضمان نزاهة الانتخابات، وإنما يمتد إلى بناء مشروع تنموي جديد لمدينة سوق أربعاء الغرب بالمغرب.

فالمؤسسات المنتخبة لا تستمد قيمتها من شرعية الاقتراع وحدها، بل من قدرتها على تحويل تلك الشرعية إلى سياسات وبرامج ومشاريع تستجيب لحاجيات الساكنة وتستثمر الإمكانات المحلية.

إن المدينة تحتاج إلى نخب تمتلك رؤية استراتيجية في تدبير المجال، وقادرة على تعبئة الموارد والإمكانات، وتحسين البنيات التحتية والخدمات العمومية، وتطوير المرافق الاجتماعية والثقافية والرياضية، وتشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل، وتوسيع قاعدة المشاركة في صناعة القرار المحلي.

كما تحتاج إلى ثقافة جديدة في التدبير تقوم على التخطيط والتقييم والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن ثم، فإن تجديد النخب لا ينبغي أن يكون مجرد شعار انتخابي، بل مدخلاً لإعادة بناء العلاقة بين المنتخب والمواطن، وتجاوز منطق الولاءات والمصالح الضيقة نحو منطق الكفاءة والاستحقاق والمردودية.

فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في ظل إعادة إنتاج الاختلالات نفسها، ولا من خلال تدبير يفتقر إلى الرؤية والفعالية والقدرة على استثمار المؤهلات المتاحة.

كما أن مستقبل المدينة يرتبط بمدى قدرتها على الاستفادة من البرامج التنموية الوطنية والجهوية، وتعزيز التنسيق بين المجلس الجماعي ومختلف المؤسسات والقطاعات الحكومية، بما يضمن تحقيق تنمية متوازنة تستجيب لانتظارات المواطنين وتكرس مبادئ العدالة المجالية.

خاتمة: نزاهة الاختيار مدخل إلى مستقبل مختلف

إن سوق أربعاء الغرب بالمغرب أمام فرصة لإطلاق دينامية سياسية ومدنية جديدة، تجعل من الانتخابات الجماعية المقبلة لحظة لتصحيح المسار وتجديد النخب وإعادة الاعتبار للمسؤولية العمومية.

وهي فرصة تقتضي من الأحزاب السياسية والفعاليات المدنية والنقابية والحقوقية والكفاءات المحلية تجاوز الحسابات الضيقة، والانخراط في مشروع مشترك قوامه اليقظة الديمقراطية، والتنسيق المؤسساتي، والتعبئة الشعبية، والدفاع عن نزاهة الاختيار الانتخابي.

فالمطلوب ليس مجرد تغيير في تركيبة المجلس الجماعي، وإنما تغيير في فلسفة التدبير المحلي، وفي معايير اختيار النخب، وفي طبيعة العلاقة بين السلطة التمثيلية والمجتمع.

ذلك أن المدينة لا تحتاج إلى نخب تتنافس على مواقع المسؤولية بقدر ما تحتاج إلى نخب تتنافس في تقديم البرامج والحلول، وتثبت أهليتها من خلال العمل والإنجاز، وتستمد شرعيتها من ثقة المواطنين.

إن تصويب المسار الانتخابي هو المدخل الضروري لتصويب المسار التنموي، وبناء مؤسسات محلية قوية بشرعيتها الديمقراطية، وفعالة بكفاءتها التدبيرية، ومسؤولة بالتزامها تجاه المواطنين.

فسوق أربعاء الغرب تستحق مشروعاً تنموياً يواكب تطلعات ساكنتها، ونخباً تؤمن بأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وأن خدمة المدينة تقتضي العمل المشترك والتنافس على الإنجاز، لا الاكتفاء بالشعارات والوعود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *