المغرب على صفيح سياسي ساخن: الداخلية تُلوّح بعزل رؤساء جماعات قبل الاستحقاقات… هل دقّت ساعة المحاسبة؟

الوطن24/ الرباط
يبدو أن المشهد السياسي في المغرب مقبل على واحدة من أكثر مراحله توتراً وحساسية، بعدما كشفت معطيات متطابقة شروع وزارة الداخلية في دراسة إجراءات قانونية غير مسبوقة قد تفضي إلى منع أو دفع عدد من رؤساء المجالس الجماعية إلى الاستقالة، تزامناً مع اقتراب مواعيد انتخابية تشريعية حاسمة.
مصادر مطلعة أكدت أن مصالح وزارة الداخلية توصلت بتقارير دقيقة أنجزتها أقسام الشؤون الداخلية بالولايات والعمالات، تتضمن معطيات تفيد تورط رؤساء جماعات وبرلمانيين في وضعيات تضارب مصالح واضحة، خصوصاً في ما يتعلق بالترشح باسم أحزاب سياسية غير تلك التي فازوا بألوانها في الانتخابات الجماعية لسنة 2021.
اللافت في هذا الملف، الذي يثير الكثير من الجدل داخل الأوساط الحزبية والبرلمانية، أن بعض المعنيين ـ حسب المصادر نفسها ـ شرعوا فعلياً في تقديم استقالاتهم أو يخططون لذلك قبل أشهر من موعد الانتخابات، في محاولة استباقية لتفادي الطعون وسقوط العضوية البرلمانية في حال الفوز بمقاعد تشريعية.
استعادة المصداقية… وقطع الطريق على “الهجرة الحزبية”
عندما تتخذ وزارة الداخلية هذه الإجراءات التي تمنع رؤساء الجماعات العازمين على تغيير الأحزاب التي ترشحوا باسمها والانتقال إلى أحزاب أخرى، كما يفعلون في مواسم “الهجرة الحزبية” عند كل استحقاق انتخابي، فإنها ـ وفق متابعين ـ تعيد الاعتبار لمفهوم الانتماء الحزبي ولمصداقية صناديق الاقتراع، التي أُنهكت لسنوات بمرور منتخبين تحوّلوا إلى عبء على الديمقراطية المحلية.
وتذهب القراءة نفسها إلى أن هذه الصرامة القانونية تستهدف فئة من المنتخبين فقدوا الامتياز الحزبي بعد أن راكم بعضهم ثروات مشبوهة، استُعملت في شراء التزكيات الجديدة والأصوات الانتخابية، بهدف الاستمرار في نهب المال العام وتأبيد مناصب التدبير الجماعي لهم ولدوائرهم العائلية، في ضرب صارخ لروح المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
المغرب، اليوم، لم يعد يجهل هذه الممارسات. فمؤسساته، وتقارير لجانه، ومعطيات أجهزته الرقابية، تعرف جيداً هؤلاء الذين يبدلون ألوان الأحزاب كما يغيرون ثيابهم، دون وازع أخلاقي أو ضمير سياسي. وهو ما يجعل إعادة الاعتبار للاختيار الديمقراطي، وللعملية الانتخابية برمتها، ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل.
القانون واضح… لكن من يجرؤ على تفعيله؟
القوانين التنظيمية للأحزاب السياسية ولمجلس النواب، كما يؤكد مختصون، تحظر الانتماء المزدوج وتمنع الجمع بين رئاسة جماعة باسم حزب، والتمثيل البرلماني باسم حزب آخر. وضع قانوني يضع الداخلية اليوم أمام اختبار حقيقي:
هل ستُطبق النصوص بصرامة على الجميع؟
أم أن بعض “المحترفين” سيجدون مرة أخرى منافذ للالتفاف؟
الأخطر، كما يرى متابعون، أن بعض هؤلاء اعتلوا سلم المسؤوليات عبر آليات ملتوية، وأصبحوا محترفين في التكيف مع القوانين، مستفيدين من غطاء ودعم داخل بعض الأحزاب، بل ومن تواطؤ محتمل لبعض رجال السلطة الذين فقدوا بدورهم ضمير الانتماء والواجب المهني.
لحظة حسم
في هذا السياق، لا يمكن ـ بحسب متابعين للشأن العام ـ إلا تثمين خطوة وزير الداخلية، باعتبارها محاولة جادة لإعادة الانتخابات إلى طبيعتها الديمقراطية، وتكريس مبادئ النزاهة والشفافية، وقطع الطريق على من حولوا الاستحقاقات الانتخابية إلى سوق مفتوح للمصالح والولاءات.
المغرب يقف اليوم أمام لحظة مفصلية:
إما تطهير حقيقي للمشهد السياسي المحلي،
وإما استمرار دوامة إعادة إنتاج نفس الوجوه بنفس الأساليب.
فهل تكون هذه الإجراءات بداية نهاية “سماسرة الانتخابات”؟
أم أن رياح الكواليس ستنجح مرة أخرى في إفراغ القانون من روحه؟
