المغرب… قراءة في خلفيات خطاب أوجار وصراع الشرعية بين الحكومة ومراكز النفوذ

تكشف تصريحات محمد أوجار الأخيرة بشأن ما سماه “عرقلة الدولة العميقة لعمل النخب السياسية” عن مرحلة جديدة في طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية ومراكز النفوذ في المغرب. فالكلام، وإن بدا في ظاهره نقداً لبيئة العمل السياسي، إلا أنه يعبّر في عمقه عن صراع أكبر حول توزيع السلطة، وعن أزمة ثقة مستترة بين الحكومة ومؤسسات تُعدّ تاريخياً جزءاً من العمود الفقري للدولة.

لفهم السياق بدقة، يجب العودة إلى دور وزارة الداخلية داخل النظام السياسي المغربي. فهي ليست مجرد قطاع حكومي، بل مؤسسة سيادية ترتبط مباشرة بالمؤسسة الملكية، وتشرف على منظومة الولاة والعمال التي تُعدّ فاعلاً رئيسياً في تنفيذ السياسات العمومية. هذا الموقع يجعل العلاقة بين رئيس الحكومة ووزارة الداخلية علاقة حساسة، لا تخضع لمنطق الأغلبية البرلمانية، بقدر ما تخضع لمبدأ التوازنات العليا داخل الدولة.

من هنا يبدو تصريح أوجار كأنه يعيد إحياء الجدل الذي رافق تجربة عبد الإله بنكيران حين قال إن حكومته “تسلمت الحكومة ولم تتسلّم الحكم”. يومها بدا الكلام غريباً، لكن تراكم الأحداث يؤكد أن رؤساء الحكومات في المغرب يواجهون حدوداً موضوعية، تجعل قدرتهم على التدبير تصطدم أحياناً بسلطة أجهزة أخرى أقوى وأقدم، تتولى إدارة ملفات تعتبرها الدولة استراتيجية. لذلك فإن تصريحات أوجار لا تندرج في إطار المزايدات فقط، بل تمثل محاولة لإعادة ترسيم العلاقة بين الحكومة ومركز القرار.

وعلى الرغم من أن أوجار لا يشغل منصباً تنفيذياً حالياً، إلا أن موقعه داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يقود الحكومة، يمنحه قدرة على إطلاق مواقف لا يستطيع رئيس الحكومة نفسه التعبير عنها. فالكلام المباشر من عزيز أخنوش قد يُفهم كتحدٍّ للسلطة السيادية، وهو ما قد يدخل البلاد في أزمة مؤسساتية غير مرغوبة. لذلك فإن خروج أوجار بهذا الخطاب يُقرأ على أنه رسالة سياسية بالوكالة، تهدف إلى الضغط دون تجاوز الخطوط الحمراء الدستورية.

ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن الأخبار التي راجت سابقاً حول وجود توتر بين وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت ورئيس الحكومة. ورغم غياب تأكيد رسمي، إلا أن تسريبات تشير إلى محاولة من محيط أخنوش لإحداث تغيير في وزارة الداخلية قوبلت برفض في أعلى مستويات الدولة. هذه الخلفية تجعل كلام أوجار أقرب إلى تعبير عن إحباط داخل الحزب الحكومي من استمرار محدودية دوره في القطاعات السيادية.

وبالمقابل، فإن الأحزاب التي لا تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع ومن العمق الشعبي، ولا تعبر عن إرادة الناخبين الحقيقية، وتريد أن تلعب دوراً وظيفياً في مرحلة من مراحل صراع النفوذ، سرعان ما يتم التخلص منها عند أي منعرج. لكن من حق الدولة أن تمتلك عناصر القوة الوجودية والتمكين لاختياراتها، في إطار تقاسم الأدوار داخل دولة ذات خصوصية سياسية وسيادية في المغرب الحالي. وعلى النخب السياسية والأحزاب المنخرطة في العمل الحزبي أن تنتج خطاباً وممارسة ليست بالضرورة تدور في فلك السلطة، ولا تتبنى ما يُملى عليها من قبلها، حيث لا تجد مبرراً لوجودها إلا متماهية مع أركانها، مصيبة أو مخطئة. فالمغرب اليوم في حاجة إلى أحزاب حقيقية قادرة على الفعل واتخاذ القرار والتأثير، أما أحزاب الحكومة الحالية فعليها أن تقوم بنقد ذاتي ومراجعة لطبيعة وجودها من أصله والأسس التي قامت عليها. وكل خطاب يتجاوز هذه الماهية يعتبر خطاباً عقيماً لا غير.

في النهاية، تظهر تصريحات أوجار باعتبارها مؤشراً على مرحلة إعادة تموقع داخل الحقل السياسي المغربي. فالحكومة، رغم امتلاكها الأغلبية، تبدو محدودة النفوذ في المجالات الحساسة، بينما تسعى بعض مكوناتها إلى توسيع مساحة تأثيرها عبر خلق نقاش علني حول حدود السلطة. أما الدولة، بمفهومها المؤسساتي العميق، فترسل إشارات واضحة بأن القطاعات السيادية ليست موضوع تفاوض سياسي، بل جزء من ثوابت النظام.

هذا التوتر الناعم بين الشرعية الانتخابية والشرعية السيادية سيظل محدداً أساسياً لفهم مستقبل الإصلاح السياسي في المغرب، لأن أي تعديل في علاقة الحكومة بمراكز النفوذ لن يتم إلا عبر توافقات عميقة، لا عبر رسائل سياسية متبادلة في لحظات الاحتقان.