المقامة الدِّلْتِية (حكايتي مع حُمَّى دِلْتا الرهيبة)

إلى روح قُطْبَيْ جمال اللغة العربية أبي الطيب المتنبي وبديع الزمان الهمذاني.

الوطن 24/ بقلم: أحمد الجوهري

في ضحى السابع عشر من شهر محرم المنصرم لسنة 1443، الموافق الخامس والعشرين من شهر غشت الميلادي 2021، شعرتُ بقُشعريرةٍ تسري في جسدي، وتنَمُّلٍ في أطرافي سرعان ما تلاهما وخز أليم في مفاصلي، فعلمتُ أنها مقدمةٌ لحُمَّى الوباء اللعين دلتا. وتذكرتُ قصيدة المتنبي في وصف الحُمَّى التي يقول فيها:

وزائرتي كأن بها حياءُ ** فليس تزورُ إلا في الظلام

بَذلْتُ لها المَطارفَ والحَشَايا ** فعافتْها وباتتْ في عِظامي

يضيقُ الجِلْدُ عن نفسي وعنه ** فتُوسِعُهُ بأنواع السقام

إذا ما فارقتْني غَسَّلتْني ** كأنَّا عاكِفانِ على حَرام

كأنَّ الصُّبحَ يطردُها فتجري ** مدامعُها بأربعةٍ سجام

رحمكَ الله يا أبا الطيب! ليت زائرتي كانت شبيهةَ زائرتك في الحياء، وقرينتَها في الوداعة! وليتها كانت تفارقُني عند التغسيل ساعة! أو تغادرني عند الصبح لأتنفس الصعداء، وأشكو البرحاء! ولو أنك، أيها العزيز، عشتَ في زماننا، وتشرفتَ بزيارتها لغيرتَ في قصيدتك الكثير من صفاتها، وحتى حفيدُك محمود الدرويش، متنبي فلسطين، وشاعر الموت والأنين، لو أطال الله عمره وزارتْه لحاكى قصيدته الجميلة “ريتا” بقصيدة جديدة عنوانها “دِلْتا” فقال:

اسمُ دِلْتا كان حُمَّى في دمي

اسمُ دلْتا كان سُمّاً في فمي

وأنا متُّ بدلتا مَوْتتيْن

وهي عاثتْ في ضُلوعي دورتيْن

وتلاقينا على تَنُّورِ جمْر

واحترقنا في فِراشٍ من حَميم

ولهيبٍ كالجحيم.

تلك هي حُمَّى دلتا اللعينة التي ما أن استقرت في نخاع عظامي حتى بدا أنها لا تعرف للحياء وجها، وأنها من بنات الدهر الخبيثات، فأقسمتِ الأيمان الغليظة أن تقيم في حشا خلاياي ما شاءت، وأن تتلذذ بالشرب من دمي والتغذي من أنفاسي ما أرادت. وليتها اكتفت بهذا المقام المضيف، في بدن العبد الضعيف، بل بدأت تتصرف تصرف الحمقاء، وتعيث في البدن فساد الغوغاء، فكأنها زوجة إبليس، تنفث سُمَّها الدسيس، في عروق المريض الحبيس. فكان يحلو لها أن تصعد إلى الصدْغَيْن، وتزند النارَيْن، فيتحول حِقْفِي إلى تَنُّور يَفور، أو فرن مطعم الزهور، لطهي الدجاج والسمك المبشور، بينما هي تقرع طَبْلَ جمجمتي قرعا، وتشق رأسي صدعا، وتغني متسلية على مهلها وهواها مقاطع أغنية الأطلال الطويلة الرهيبة: فمن مقطع “يا حبيبا زرتُ يوما أيْكَهُ”، إلى مقطع “هل رأى الحب سكارى”، وفي الهزيع الأخير من الليل ترفع عقيرتها مهددة وتصرخ بمقطع: “وإذا الفجر مطل كالحريق”. ثم سكرانةً تنزل من رأسي بقدحها المقيت في هياج، لتسقي فمي اليابس المهتاج، تارة بالمُرار، وتارة بالمِلْح الأُجاج. وتُكمل سيرها إلى الأمعاء لتفرسها فرسا، وتكنسها كنسا، بسكاكينها الحادة غير مبالية بما تسببه من الإسهال الأليم، للعبد الفقير إلى رحمة الرحيم. وما أن تصحوَ من سُكْرها وعبثها حتى توقد فورا أسلاك كهربائها التي نصبتها في الجهاز العصبي، فيبدأ الصعق في سائر الهيكل العظمي، من أخمص أصابع القدمين إلى أنامل اليدين، ويتبعه لسْعٌ موخز مثل لسع العقارب، لا ينفع معه استعطاف طالب، ولا مؤازرة الأقارب، إلا التوجه بقلب راغب راهب إلى الإله الشافي الواهب. ثم تُكمِل الحمقاء فُرجتَها اليومية والليلية بدور ميلودرامي غريب، في مسرحيتها “اللهيب”، لا يخطر على اللبيب، إذ تتقمص دور مدرب السباحة على فراش الراحة، فتسهر على تعليمي بكل عبارات التقريع واللوم، جميع أنواع العَوْم، في عَرَق مسبح النوم، من السباحة على الظهر، والسباحة على الصدر، إلى ذلك النوع الخطير المسمى سباحة الفراشة الذي يقفز فيه الجسم بكامل قوته قفزات مرتعشة ومتتالية في صبيب العرق، وسعير الحرق. وهكذا مثل الفراشة التي تدور، حول نقطة الضوء فوق التَّنُّور، فتحترق في دائرة اللهب على الفور، ظلت روحي تخفق حول نقطة نور، وتستنشق عطر الحِمام، مدة أسبوعين بالكمال والتمام، ويا له من نور، لا يشبه أي نور! نور اليقين الذي لا يَشُوبُهُ مَيْن(كذب)، ويقين الموت، الذي لا مناص منه ولا فَوْت.

ولقد ضعُفَ النبْضُ، ونَضبَ الجِلْدُ، وتلاشى الجهدُ، وخرَس اللسان، وكلَّت العينان، وأُصيبت بالصَّمَم الأذنان، وبلغت الحلقوم، وأوصى السقيمُ العيالَ كتابةً بالصبر على القضاء المحتوم، لولا أن المُحْيي تعالى شاء أن يدفع المصيبة عن المكلوم، ويُفرج كربة المهموم. وبعد فحوصٍ للأوكسجين يومية، وكشوفٍ بالنافوض (سكانير) صدرية، وتحاليلَ عديدةٍ دموية، وأكياسٍ مكدسة ٍمن الأدوية، وثيابٍ تجري بمياه العرَق وأَرْدِية، ولسانٍ لا يتوانى عن الصلاة واللهج بالذكر والأدعية، كتب المُحْيي الحميد لعبده السعيد العمر الجديد، ونزع مخالب المشؤومة من حبل الوريد، فأفاض على الروح دفقَ الحياة، وأخَّر إلى أجلٍ مُسمًّى الميقات، فكأنما بُعِثْتُ من رُفات، وأَراني الحفيظُ العليمُ بالسقم والأنين نور اليقين، فالحمد لله من قبل ومن بعد وفي كل حين.

**

أبو معاذ أحمد بن التهامي بديع الدين الجوهري

حدائق رياض تولال، مكناسة الزيتون، المغرب

18 شتنبر 2021، الموافق11 صَفر 1443