انتصارات المنتخب ونعيق الغربان.

الوطن 24/ بقلم: سعيد الكحل.
إن الوجه المشرف الذي ظهر به المنتخب الوطني لكرة القدم في مونديال أمريكا أحدث صدمة نفسية وفكرية في صفوف العدميين أعداء النجاح. كانوا يراهنون على انهزامه أمام منتخبات البرازيل وسكوتلاندا وهولندا ليشمتوا، لكن ندية الفريق الوطني شتت شملهم وأحبطت تربصاتهم؛ فلم يجدوا، وقد تملكهم الحقد والعداء للوطن ولرموزه، سوى السعي الخبيث للتنغيص على المغاربة أفراحهم بانتصارات المنتخب. هكذا سارعوا، كما يفعل الحاقد التعيس، إلى وضع مقارنات بين المغرب والدول التي يواجه منتخباتها في مؤشرات التنمية ونسب الدين الخارجي والتضخم. إنها الصدمة الفكرية التي أعمت بصيرتهم عما تشير إليه أدبيات اقتصاد الرياضة من أن الإنجاز الرياضي لا يخضع لعامل واحد، وإنما هو نتيجة تفاعل مجموعة من المتغيرات، تشمل جودة التكوين، وانتشار الممارسة الرياضية، والحوكمة، والاستثمار في الإنسان وفي البنية التحتية، والثقافة الرياضية، والاستقرار المؤسسي.
وعليه، فإن مؤشر التنمية البشرية، الذي يقيس التعليم والصحة والدخل، أو نسبة الدين العام، أو معدل التضخم، ليست مؤشرات وضعت أصلًا لقياس القدرة التنافسية الرياضية. والأكثر إثارة للانتباه أن هؤلاء العدميين يختارون نماذج بعينها، فيقارنون المغرب بهولندا أو اسكتلندا، لكنهم يتجاهلون عمدًا أن الظروف التاريخية التي صنعت ازدهار تلك الدول تختلف جذريًا عن الظروف التي عاشها المغرب.
إذ من الصعب الحديث عن هولندا المعاصرة دون استحضار تاريخها كإحدى أهم القوى الاستعمارية والتجارية في العالم منذ القرن السابع عشر. فقد بنت ثروتها عبر شبكة واسعة من المستعمرات والموانئ والشركات العابرة للقارات، وعلى رأسها شركة الهند الشرقية الهولندية، التي تعد من أوائل الشركات متعددة الجنسيات في التاريخ. وقد وفر هذا الامتداد الاستعماري تراكمًا هائلًا لرأس المال، ساهم في بناء اقتصاد قوي ومؤسسات مالية متطورة لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم.
والأمر نفسه ينطبق على اسكتلندا، التي لا يمكن فصلها عن المملكة المتحدة، الإمبراطورية التي قيل عنها إنها “لا تغيب عنها الشمس”. فقد استفادت اسكتلندا من الثورة الصناعية ومن الأسواق والموارد التي وفرتها الإمبراطورية البريطانية، كما ساهم أبناؤها في الإدارة الاستعمارية والتجارة العالمية، وهو ما انعكس على مستوى التنمية والبنية الاقتصادية.
أما المغرب، فقد سلك طريقًا مختلفًا تمامًا. فقد خضع للحماية الفرنسية والإسبانية خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرج من الاستعمار باقتصاد محدود التصنيع ومعتمد على الفلاحة والتقلبات المناخية، وبنية تحتية صممت أساسًا لخدمة المصالح الاستعمارية أكثر من خدمة التنمية الوطنية. وبعد الاستقلال، وجد نفسه أمام تحدي بناء الدولة الحديثة، وتعميم التعليم، وتطوير الخدمات الأساسية، وإقامة بنية اقتصادية وطنية، وهي مهام استهلكت موارد ضخمة على مدى عقود. ثم جاءت التحديات الجيوسياسية لتضيف أعباءً جديدة. فمنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، ظل النزاع المفروض على المغرب حول صحرائه المسترجعة يستنزف موارده المالية والعسكرية لحماية حدوده وتطوير الأقاليم الجنوبية وتعزيز بنيتها التحتية. واستمرار هذا النزاع لعقود طويلة يمثل عاملًا اقتصاديًا لا يمكن تجاهله عند مقارنة المغرب بدول لم تواجه ظروفًا مشابهة.
ورغم هذه التحديات، تمكن المغرب خلال العقدين الأخيرين من بناء نموذج رياضي لافت. فقد استثمر في مراكز التكوين، وطور بنيته التحتية الرياضية، وأعاد هيكلة منظومته الكروية، مما مكن المنتخب الوطني من منافسة مدارس كروية عريقة والوصول إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ الكرة العربية والإفريقية.
ياما جاب الغراب لأمه.
من المفارقات أن الذين يربطون النجاح الرياضي بمؤشرات الاقتصاد يتجاهلون أمثلة أكثر وضوحًا من الحالة المغربية. فالبرازيل، صاحبة الرقم القياسي في عدد مرات الفوز بكأس العالم، ليست من بين الدول الأعلى في مؤشر التنمية البشرية، كما أن اقتصادها عرف فترات ركود وارتفاعًا في البطالة والتفاوت الاجتماعي(بلغ الدين الخارجي819 مليار دولار أمريكي ويمثل نسبة81.1% من الناتج المحلي الإجمالي، معدل التضخم 4.80% ) . ومع ذلك، بقيت مدرسة كروية عالمية بفضل الثقافة الشعبية لكرة القدم وقوة منظومة التكوين.
وتقدم الأرجنتين مثالًا أكثر دلالة. فقد عاشت البلاد خلال العقود الأخيرة أزمات اقتصادية متكررة، وشهدت معدلات تضخم من بين الأعلى عالميًا، إضافة إلى تعثرات متكررة في ملف الديون السيادية (معدل التضخم السنوي 33.2%، الدين الخارجي 321 مليار دولار) ومع ذلك لم يمنعها وضعها الاقتصادي من التتويج بكأس العالم وإنتاج أجيال متعاقبة من أعظم لاعبي كرة القدم.
أما المغرب، فرغم التحديات الاقتصادية، فقد حافظ على استقرار اقتصادي نسبي مقارنة بعدد من الاقتصادات الناشئة. بحيث ظل التضخم في السنوات الأخيرة أقل بكثير من مستوياته في دول مثل الأرجنتين، في حين بقي الدين العمومي في مستويات يمكن إدارتها مقارنة بالعديد من الاقتصادات المتوسطة.
إن هذه المعطيات تؤكد أن النجاح الرياضي لا يقاس بمؤشر التنمية البشرية، ولا بنسبة الدين، ولا بمعدل التضخم، وإنما بوجود رؤية رياضية واضحة، واستثمار طويل المدى، وإدارة ناجحة للمواهب.
ولو كانت العلاقة بين التنمية والنجاح الرياضي علاقة حتمية، لكانت الدول الأكثر ثراءً هي الأكثر تتويجًا دائمًا، وهو ما لا تؤيده الوقائع.
لا شك أن الخطاب العدمي الذي يسعى إلى التقليل من قيمة إنجازات المنتخب المغربي لا يصدر دائمًا من زاوية رياضية بحتة، أو غيرة وطنية صادقة. فذات الخطاب حرض على مقاطعة مباريات المنتخب الوطني وجيّش ضد بناء الملاعب وعارض استضافة التظاهرات الكروية القارية والدولية وعلى رأسها كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030. فما يتجاهله العدميون هو أن الإنجازات التي حققها المنتخب المغربي تعكس تطورًا ملحوظًا في منظومة التكوين الرياضي، والاستثمار في مراكز التدريب، والاستفادة من الكفاءات المغربية داخل الوطن وخارجه، إضافة إلى تطور الإدارة الرياضية والاحتراف.
وعليه، فإن مقارنة نتائج المنتخب المغربي مع منتخبات تنتمي إلى دول تختلف جذريًا في مساراتها التاريخية ومستوياتها الاقتصادية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للتقليل من قيمة الإنجاز الرياضي، لأن النجاح الرياضي يقاس أولًا بالأداء داخل الملعب، وليس بمؤشرات الاقتصاد الكلي.
