سؤال المسؤولية في المغرب… مشاهد الهجرة غير النظامية بباب سبتة تُسائل الحكومة: أين التنمية؟

ليست مشاهد الشباب وهم يركضون نحو الحدود، أو يلقون بأنفسهم في البحر، أو يتدافعون للوصول إلى الضفة الأخرى، مجرد مشاهد عابرة في شريط إخباري. إنها، قبل كل شيء، مشاهد إنسانية واجتماعية وسياسية تستحق أن تُقرأ بعمق.

فحين يصبح الوطن الذي ولد فيه الإنسان، ونشأ بين أهله، وتلقى فيه تعليمه، وشكل فيه ذاكرته وهويته، مكاناً يريد بعض أبنائه مغادرته بأي ثمن، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: لماذا هاجر هؤلاء؟

بل ينبغي أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً:

وقد أعادت الأحداث الأخيرة المرتبطة بمحاولات العبور نحو سبتة هذا السؤال إلى الواجهة بقوة. فقد شهدت المنطقة تدفقات كبيرة ومحاولات جماعية للعبور، وسط مخاطر إنسانية بالغة، بينما أشارت تقارير إلى دعوات جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمحاولات عبور جماعي لاحقة.

ومن هنا لا يتعلق الأمر بتبرير الهجرة غير النظامية، ولا بتقليل خطورتها القانونية والأمنية والإنسانية، وإنما بقراءة الرسالة الاجتماعية الكامنة وراء الظاهرة.

إنها رسالة تقول إن هناك مواطنين لا يرون في الوطن، في لحظة معينة من حياتهم، ما يكفي من الأمل والفرصة والأمان الاجتماعي.

وهنا يبدأ سؤال المسؤولية.

إذا كان المغرب يعلن بناء الدولة الاجتماعية، وإذا كان الدستور قد جعل من تمكين المواطنات والمواطنين من عدد من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مسؤولية تقع على عاتق الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، فإن السؤال المشروع هو:

فالفصل 31 من الدستور ينص على عمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين على قدم المساواة من حقوق تشمل الصحة والحماية الاجتماعية والتعليم والسكن والشغل والماء والبيئة والتنمية المستدامة.

هل تكشف مشاهد الهجرة غير النظامية الجماعية عن فجوة بين الاعتراف الدستوري بالحقوق وبين فعليتها على أرض الواقع؟ وإلى أي حد تتحمل السياسات العمومية مسؤولية معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والمجالية التي تجعل الهجرة، بالنسبة إلى بعض الشباب، تبدو خياراً للخلاص لا مجرد رغبة في السفر؟

من الضروري التمييز بين أمرين.

الأول: أن الإنسان قد يرغب في الهجرة لأسباب شخصية أو مهنية أو ثقافية، وهذا أمر طبيعي في عالم مفتوح.

والثاني: أن تتحول الهجرة إلى مشروع جماعي للهروب من واقع يراه الإنسان مسدود الأفق.

المشكلة تبدأ عندما لا يعود السؤال:

بل يصبح:

وهذا فرق جوهري.

فالحق في الهجرة لا يلغي حق الإنسان في أن يجد في وطنه شروطاً معقولة للعيش الكريم، والحق في التنمية لا يعني مجرد وجود مشاريع ومنشآت، وإنما يفترض أن ينعكس أثر التنمية على الإنسان نفسه.

إن مفهوم الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن يظل عنواناً سياسياً أو خطابياً.

فالدولة الاجتماعية تُقاس بقدرة مؤسساتها على حماية المواطن من الهشاشة، وتوفير الخدمات الأساسية، وتقليص الفوارق، وفتح أبواب العمل، وضمان تكافؤ الفرص.

ولهذا فإن السؤال الذي تفرضه مشاهد سبتة هو:

هل يشعر بها في المدرسة؟

في المستشفى؟

في سوق الشغل؟

في السكن؟

في النقل؟

في الخدمات العمومية؟

في المجال القروي والمناطق الهامشية؟

في فرص الشباب؟

في قدرته على بناء مشروع حياة داخل وطنه؟

إذا كانت الإجابة إيجابية، فإن الدولة الاجتماعية تتحول إلى تجربة معيشة.

أما إذا بقيت الحقوق في النصوص بينما ظل المواطن يبحث عن شروطها في الواقع، فإن الفجوة بين الحق المكتوب والحق المعيش تصبح مصدراً للتوتر وفقدان الثقة.

شهد المغرب خلال السنوات الماضية أوراشاً ومشاريع كبرى في البنية التحتية والاستثمار والتحول الرقمي وغيرها.

لكن التنمية لا تُقاس فقط بحجم المشاريع.

فالمؤشر الأكثر أهمية هو:

قد تكون هناك طرق وموانئ ومطارات ومناطق صناعية ومشاريع عمرانية، ومع ذلك قد يبقى شاب في مدينة أو قرية عاجزاً عن العثور على عمل، أو أسرة عاجزة عن تحمل تكاليف الحياة، أو مواطن يشعر أن الفرص لا تصل إلى مجاله.

وهنا ينبغي التمييز بين:

و

التنمية الإنسانية.

فالنمو قد يرفع المؤشرات الكلية، لكن التنمية لا تتحقق إلا عندما يتحول هذا النمو إلى تعليم أفضل، وصحة أفضل، وشغل أكثر، ودخل أكثر استقراراً، وعدالة مجالية أكبر، وأفق أوسع أمام الشباب.

لا يمكن فصل الهجرة عن سؤال مغرب السرعتين.

فهناك مجالات تستقطب الاستثمار وفرص العمل والخدمات، وأخرى تعاني ضعفاً نسبياً في الجاذبية الاقتصادية.

وهذا الاختلال يدفع السكان، وخاصة الشباب، إلى البحث عن فضاء آخر.

وتصبح الهجرة الداخلية مرحلة أولى، والهجرة الخارجية مرحلة ثانية.

فحين لا يجد الشاب فرصة في قريته ينتقل إلى المدينة.

وحين لا يجدها في المدينة يبحث عن مدينة أكبر.

وحين لا يجد أفقاً مقنعاً داخل الوطن قد يبدأ التفكير في الخارج.

وبذلك لا تصبح الهجرة ظاهرة منفصلة عن التنمية، وإنما إحدى نتائج اختلال توزيع الفرص.

حين يكون الإنسان بلا عمل، لا يفقد فقط دخلاً مادياً.

قد يفقد أيضاً الإحساس بالاستقلال، وبالقدرة على تكوين أسرة، وبإمكانية التخطيط للمستقبل.

ولهذا فإن البطالة، وخصوصاً بين الشباب، ليست مشكلة اقتصادية صرفة.

إنها مشكلة اجتماعية ونفسية وتنموية وسياسية.

والشاب الذي يرى أقرانه يسافرون، ويشاهد عبر الهاتف صوراً لحياة تبدو أفضل في الضفة الأخرى، ثم يقارن ذلك بواقعه اليومي، قد تتشكل لديه قناعة بأن الفرصة توجد في مكان آخر.

وهنا تصبح معالجة الهجرة من جذورها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمعالجة أزمة التشغيل.

الأخطر في مشاهد الهجرة الجماعية ليس عدد المشاركين فقط، وإنما نوعية الرسالة التي تحملها.

فالشباب هم الرأسمال البشري للمستقبل.

وعندما يتحول جزء من هذا الرأسمال إلى طاقة تبحث عن الخروج، فإن السؤال التنموي يصبح أكثر إلحاحاً:

لماذا يبدو المستقبل خارج الحدود أكثر إغراء من المستقبل داخلها؟

ولماذا تتحول المخاطرة بالحياة إلى خيار عند بعضهم؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُقابل فقط بالمقاربة الأمنية، مهما كانت ضرورتها.

لأن الأمن يعالج النتيجة، بينما التنمية تعالج جزءاً مهماً من الأسباب.

الدولة مطالبة بحماية حدودها، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب، وحماية الأرواح ومنع المخاطر المرتبطة بالعبور غير النظامي.

وهذا أمر مشروع وضروري.

لكن المقاربة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، لا تستطيع وحدها القضاء على الدوافع الاجتماعية والاقتصادية للهجرة.

فإذا أوقفت الحدود آلاف المحاولات، ولم تتغير الأسباب التي تدفع الناس إلى المحاولة، فإن الظاهرة قد تعود في صورة أخرى.

ولهذا تحتاج السياسة العمومية إلى معادلة متوازنة:

هنا نصل إلى جوهر الإشكالية.

المسؤولية ليست مسؤولية جهة واحدة.

فالحكومة مسؤولة عن السياسات العمومية الوطنية.

والجماعات الترابية مسؤولة، في حدود اختصاصاتها، عن التنمية والخدمات المحلية.

والقطاع الخاص شريك في خلق الثروة وفرص الشغل.

والمجتمع المدني شريك في التأطير والوساطة والوعي.

والأسرة والمدرسة والإعلام شركاء في بناء ثقافة الأمل والمواطنة.

لكن هذا التعدد لا ينبغي أن يتحول إلى توزيع للمسؤولية يؤدي في النهاية إلى غياب المسؤول.

فحين يكون السؤال متعلقاً بالسياسات العمومية الكبرى، يبقى السؤال موجهاً أساساً إلى السلطة التنفيذية:

من المهم التمييز بين المساءلة والإدانة.

فالسؤال عن مسؤولية الحكومة لا يعني بالضرورة تحميلها كل أسباب الهجرة.

فالهجرة ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية ودولية.

لكن الحكومة مسؤولة عن نتائج السياسات العمومية الواقعة ضمن اختصاصها.

ومن هنا تصبح المساءلة مشروعة:

ما هي النتائج المحققة في التشغيل؟

ما حجم الفوارق بين الجهات؟

كيف تطورت جودة الخدمات العمومية؟

ما مدى فعالية برامج دعم الشباب؟

ما أثر الاستثمارات الكبرى على التشغيل المحلي؟

هل وصلت ثمار التنمية إلى المناطق الأكثر هشاشة؟

وما هي مؤشرات الثقة في المستقبل لدى الشباب؟

هذه ليست أسئلة معارضة للتنمية.

الكرامة ليست مفهوماً مجرداً.

إنها تتجسد في العمل، والسكن، والتعليم، والصحة، والأمن، والقدرة على تكوين أسرة، وإمكانية التخطيط للمستقبل.

ولهذا فإن الفصل 31 من الدستور مهم في هذا النقاش لأنه لا يضع الحقوق الاجتماعية في موقع المنحة، وإنما يربط الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتيسير أسباب الاستفادة منها على قدم المساواة.

ومن هنا يمكن صياغة السؤال القانوني والسياسي بصورة أكثر دقة:

ليس السؤال فقط: لماذا حاول المواطن عبور الحدود بصورة غير نظامية؟

بل:

وهذا هو جوهر المساءلة.

إذا كانت الدولة الاجتماعية مشروعاً وطنياً، فإن نجاحها لا يقاس بعدد البرامج التي أطلقت، وإنما بعدد المواطنين الذين أصبحوا يشعرون بالأمان الاجتماعي والاقتصادي.

الدولة الاجتماعية الحقيقية هي التي تجعل المواطن يشعر بأن:

– المرض لا يعني السقوط في الفقر؛

– التعليم يمكن أن يكون طريقاً للارتقاء؛

– العمل متاح لمن يمتلك الكفاءة والرغبة؛

– الشباب يستطيعون بناء مستقبلهم؛

– الفقر لا يحكم على الإنسان بمغادرة وطنه؛

– المجال الذي ولد فيه لا يحدد سقف أحلامه؛

– التنمية حق مشترك وليست امتيازاً جغرافياً.

وهنا يتحول مفهوم الدولة الاجتماعية من سياسة عمومية إلى عقد ثقة بين المواطن والدولة.

إذا كانت مشاهد سبتة جرس إنذار، فإن المطلوب ليس فقط إدارة الأزمة، وإنما تحويلها إلى فرصة لإعادة تقييم السياسات.

ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال:

أولاً: وضع الشباب في قلب السياسة التنموية، وليس في هامشها.

ثانياً: ربط الاستثمارات الكبرى بمؤشرات واضحة لخلق فرص الشغل محلياً.

ثالثاً: توجيه مزيد من الاستثمار إلى المجالات التي تعاني ضعفاً في الجاذبية الاقتصادية.

رابعاً: تطوير منظومة التعليم والتكوين بما يربط التأهيل بالحاجات الحقيقية لسوق الشغل.

خامساً: دعم المبادرة والمقاولة الشبابية وتقليل الحواجز التي تحول دون إنشاء المشاريع.

سادساً: اعتماد مؤشرات دورية لقياس مدى فعلية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها دستورياً.

سابعاً: فتح حوار وطني صريح حول أسباب الهجرة، بعيداً عن التبرير والإنكار والتخوين.

ثامناً: جعل سؤال «لماذا يريد الشباب الرحيل؟» جزءاً ثابتاً من تقييم السياسات العمومية.

قد يكون من السهل أن نقول للشاب:

لكن السؤال الأصعب هو:

لا يكفي أن نطلب من الإنسان أن يحب وطنه.

يجب أن نعطيه أسباباً واقعية تجعله يشعر أن الوطن أيضاً يمنحه فرصة للحياة.

الوطن ليس جغرافيا فقط.

الوطن هو المدرسة التي تفتح المستقبل، والمستشفى الذي يحمي الإنسان، والعمل الذي يحفظ الكرامة، والعدالة التي تمنح الثقة، والمدينة والقرية اللتان توفران شروط الحياة، والدولة التي يشعر المواطن بأنها موجودة من أجله.

إن مشاهد الهجرة غير النظامية عند باب سبتة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها أزمة حدود أو أزمة أمنية.

إنها، في بعدها الأعمق، مرآة لسؤال التنمية والعدالة الاجتماعية والثقة في المستقبل.

ولا يجوز أن تتحول المأساة الإنسانية إلى مجرد أرقام في التقارير أو مشاهد عابرة على شاشات الهواتف.

فوراء كل شاب حاول العبور قصة، ووراء كل أسرة حلم، ووراء كل محاولة هجرة سؤال عن المستقبل.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه المشاهد على الحكومة وعلى المجتمع وعلى كل المؤسسات المعنية ليس:

فهذا سؤال أمني مشروع، لكنه ليس السؤال الوحيد.

السؤال الأعمق هو:

وهنا تحديداً يُختبر مفهوم الدولة الاجتماعية.

فالدولة الاجتماعية لا تكتمل بمجرد سن القوانين وإطلاق البرامج، وإنما تكتمل عندما تتحول الحقوق إلى واقع، والتنمية إلى فرصة، والنمو إلى رفاه، والاستثمار إلى شغل، والتعليم إلى ترقٍ اجتماعي، والمجال إلى عدالة، والوطن إلى أفق.

ومن ثم فإن مساءلة الحكومة عن الهجرة ليست اتهاماً لها بأنها صنعت الظاهرة، وإنما مطالبة لها بأن تفسر مدى فعالية السياسات العمومية في معالجة أسبابها.

فالمواطن ليس رقماً في إحصاء، والشاب ليس مشكلة أمنية، والمهاجر المحتمل ليس مجرد عابر للحدود.

والتحدي الحقيقي أمام الدولة الاجتماعية هو أن يجد هذا المستقبل في وطنه.

فإذا كان المواطن يغامر بحياته بحثاً عن الكرامة، فإن السؤال الذي يجب أن يقلقنا جميعاً ليس فقط: لماذا يريد الرحيل؟ بل: ماذا فعلنا حتى يصبح البقاء خياراً كريماً وممكناً؟

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي عن التنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *