فرنسا: لوكورنو يأمر بفرض حظر تجوّل جزئي ابتداءً من مساء اليوم.. والحكومة تدخل مرحلة التشدد الأمني بعد أحداث 17 أكتوبر

الوطن24/ باريس
في تطور جديد يعكس خطورة الوضع الأمني الذي تواجهه فرنسا، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، أنه طلب من عدد من المحافظين اتخاذ الإجراءات اللازمة لفرض حظر تجوّل جزئي ومحدود جغرافياً ابتداءً من مساء اليوم، في محاولة لاحتواء تداعيات الاضطرابات وأعمال التخريب والنهب التي شهدتها عدة مدن فرنسية خلال احتجاجات السبت الماضي.
ويأتي القرار في سياق تحرك حكومي متسارع لإعادة فرض النظام العام، بعدما تحولت احتجاجات رُفعت خلالها مطالب اجتماعية مرتبطة بغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية إلى مواجهات وأعمال عنف وتخريب طالت متاجر وممتلكات عامة ومؤسسات محلية، في عدد من المدن، من بينها باريس وليون ومرسيليا وليموج.
حظر تجوّل محدود.. وليس إجراءً شاملاً على مستوى البلاد
وبحسب التصريحات الحكومية، يتعلق الأمر بإجراءات محلية تستهدف مناطق محددة، وفق تقدير السلطات الأمنية لطبيعة التهديدات ومستوى التوتر الميداني، وليس بفرض حظر تجوّل شامل على مجموع التراب الفرنسي.
ومن المنتظر أن تتولى المحافظات المعنية تحديد النطاق الجغرافي للقيود وساعات تطبيقها، وفق القرارات التي ستصدرها كل سلطة محلية. وحتى تتضح هذه التفاصيل رسمياً، يتعين على السكان عدم التعامل مع القرار باعتباره شاملاً لجميع المدن الفرنسية.
ويعكس اللجوء إلى هذا الإجراء انتقال الحكومة من تدبير تداعيات الاحتجاجات بعد وقوعها إلى محاولة منع تجدد أعمال العنف خلال الساعات والأيام المقبلة، خصوصاً في المناطق التي شهدت اعتداءات على الممتلكات والمرافق العامة.
ماكرون يرفض استقالة وزير الداخلية
وفي موازاة هذه التدابير، رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، الذي عرض مغادرة منصبه على خلفية الانتقادات التي طالت التدبير الأمني لأحداث نهاية الأسبوع.
ويعكس قرار الإبقاء على نونيز رغبة الرئاسة في الحفاظ على استمرارية القيادة الأمنية خلال مرحلة دقيقة، مع تحميل الأجهزة المختصة مسؤولية معالجة أوجه القصور والاستعداد بصورة أفضل لأي تحركات جديدة.
كما أعادت الأحداث الأخيرة فتح النقاش بشأن قدرة الأجهزة الأمنية على استباق تحركات المجموعات العنيفة والتعامل مع تحركات متزامنة في أكثر من مدينة، خصوصاً بعدما تعرضت مؤسسات وممتلكات عامة لأضرار جسيمة.
وتواجه الحكومة، في هذا السياق، ضغوطاً سياسية متزايدة من مسؤولين محليين ومنتخبين طالبوا بتوضيحات بشأن الاستعدادات الأمنية، وبإجراءات تضمن حماية السكان والتجار والمرافق العامة.
اعتقالات واسعة وخسائر تطال المتاجر والمرافق العامة
وتشير التقارير الواردة من فرنسا إلى اتساع نطاق التداعيات الأمنية والاقتصادية لأحداث 17 أكتوبر، التي شهدت عمليات نهب وتخريب وإضرام حرائق واعتداءات على عدد من المباني العامة والتجارية.
وأفادت تقارير إعلامية فرنسية ودولية بارتفاع عدد الموقوفين على خلفية الاضطرابات إلى أكثر من ألفي شخص، فيما تضررت أعداد كبيرة من المتاجر والمصالح التجارية، ما يضع السلطات أمام تحدي إعادة الاستقرار وضمان عودة الأنشطة الاقتصادية إلى طبيعتها.
وفي مدينة ليموج، أثار الحريق الذي طال مبنى البلدية مخاوف بشأن حجم الاعتداءات على المؤسسات المحلية، بينما شهدت مرسيليا بدورها حوادث تخريب ونهب دفعت السلطات إلى اتخاذ تدابير تقييدية إضافية بحق التجمعات خلال بعض الفترات.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأحداث على الخسائر المادية، بل تمتد إلى شعور السكان والتجار بانعدام الأمان، وإلى تساؤلات بشأن مدى قدرة السلطات على حماية الفضاء العام في ظل الاحتجاجات الواسعة.
بين حماية النظام العام واحتواء الغضب الاجتماعي
ورغم خطورة أعمال العنف والتخريب، فإن الأزمة الفرنسية لا يمكن اختزالها في الجانب الأمني وحده. فقد جاءت الاحتجاجات في سياق استياء اجتماعي مرتبط بارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية، وهي مطالب ينبغي التعامل معها بصورة منفصلة عن الاعتداءات التي تستوجب المساءلة القانونية.
وتجد الحكومة نفسها أمام معادلة دقيقة: فرض القانون وحماية المواطنين والممتلكات من جهة، وضمان الحق في الاحتجاج السلمي وعدم تحميل جميع المتظاهرين مسؤولية أعمال ارتكبتها مجموعات عنيفة من جهة أخرى.
كما أن نجاح التدابير الجديدة لن يقاس فقط بقدرتها على منع التجمعات أو الحد من الحركة في مناطق محددة، بل بمدى مساهمتها في استعادة الأمن من دون تعميق الاحتقان الاجتماعي أو المساس غير المتناسب بالحريات العامة.
الأنظار تتجه إلى الساعات المقبلة
ومع دخول قرار حظر التجوّل الجزئي حيز التنفيذ في المناطق التي ستحددها السلطات المختصة، تتجه الأنظار إلى كيفية تطبيقه، وحجم التعزيزات الأمنية المرتقبة، ومدى قدرة الحكومة على منع تجدد أعمال التخريب والنهب.
وتبقى الأولوية بالنسبة إلى السلطات الفرنسية ضمان سلامة السكان وحماية الممتلكات العامة والخاصة، بالتوازي مع توضيح التدابير المتخذة وحدودها القانونية والجغرافية.
فرنسا أمام اختبار أمني وسياسي جديد: فإعادة الهدوء إلى الشوارع تمثل ضرورة ملحة، لكن استعادة الثقة لن تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، ما لم تقترن بمحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف، وتقييم أوجه القصور التي كشفتها الأحداث، ومعالجة الأسباب الاجتماعية التي غذّت الاحتجاجات.
