لماذا احتجاج المثقفين؟

الوطن24/ بقلم: د. عبد القادر الدحمني.
البعض يسارع مباشرة إلى التشكيك والتثبيط بل الإدانة والاتهام، أو يلون اللوحة بالسواد القاتم وينام.
نعم، ندرك أن حركة المثقف هي حركة ممتدّة في الزمان، ولا ترتهن لِلَّحظي واليومي والعابر، بل تمتلك القامة السامقة لتنظر إلى البعيد، وتمتلك الدقة لتكشف الغامض، وتمتلك المرونة والدينامية الخاصة التي تجعل نظرتها محيطة شاملة، ولكن هذا لا يعني انفصالَها التام عن واقعها، واستعلاءَها عن سياقها، وتجرّدَها الكلّيّ من ظلال مجريات حاضرها.
نعم، قد نفهم أن هناك تحولات كبرى جرت، وفترات صمت والتباس حصلت، ومياه تحت الجسور مرّت وتغيّرت، ولكن هذا لا يبرّر بتاتا أن نشكّك في بادرة أعلنت عن نفسها بوضوح، ولم تدّع الاكتمال، ولا وضعت من نفسها سقفا أو نموذجا أو صنما، إنما هي فكرة، يقظة، لحظة وعي، انقداح لوعة، هبّة إرادة، تريد أن تكون رغم كل ظروف اليأس، وعوامل الهدم والعرقلة والتنويم.
مبادرة، قد نختلف معها، ومع شكلها، لكن ينبغي أن نمتلك الشجاعة لنشيد بإجرائيتها، ونبل أهدافها، وسلاسة خطاها، وحجم مرونتها..
إنها مبادرة، تهدف إلى إعادة ربط حبل الوصل بين المثقف وواقعه المتردّي، وإقامة جسر العودة إلى حضن المجتمع ونبضه العميق، وفرصة لإجراء مصالحة بين المثقف والاهتمام بالشأن العام، فقد مرت مدّة كافية ساد فيها التوتّر والجفاء، لتتمّ إعادة العلاقة إلى حيويتها وتوهّجها، وآن الأوان أن تصبح المبادرة خطة، لإعادة الاعتبار إلى المثقف نفسه، وإلى وضعيته الاعتبارية، ووظيفته في بناء المستقبل.
طبعا، تحضر أسئلة المسافة المرجوّة، بين السياسي والثقافي، ويحضر رهان مدى فاعلية عودة المثقف إلى واجهة الفعل والتأثير المباشر، والرؤية المؤطّرة، والصيغ الممكنة والفاعلة، في ظل عالم متغيّر، قد مكّن فيه الإعلام الجديد مختلف فاعليه من أدوات التأثير، وصناعة الخطاب، والوصول إلى “الجماهير”، أشكال وصيغ وأنماط، ربما لا قِبَلَ للمثقف، بمنطقها الداخلي، وسرعتِها المجنونة، وفقدانِها لكل الضوابط والحدود، وتعذّرِ حصرها في أنساق ثابتة ومعادلات مستقرة.
لكن كل هذا لا يلغي، ضرورة عودة المثقف إلى البحث عن فاعلية لائقة به، بوصفه منتجا للقيم، وفاعلا في الهوية الجماعية، وممتلكا للقدرة على التحليل والتركيب والاستشراف والنقد العميق، فلا أقل من أن يكون كاشفًا لسيرٍ قد صار أعمى، ومنذرا في منعرجات قد تعدّدت وازدادت حِدّة وخطورة، ولا أقل من أن يكون موقظا من غفلة، ومزعجا لطمأنينة خادعة، ومسائلا لمقولات زائفة، ومحرّضا على السؤال والتفكير والتجديد.
فهل تكون المبادرة إشارة جادّة على درب تشكيل موجة ثقافية واعدة، تقف في وجه سيل الرّداءة والابتذال والتسطيح؟ وهل بإمكان تحويل هذا التداعي الجميل لمختلف مثقفات ومثقفي البلد إلى إعلان يوم احتجاج وطني، نحو سعي جماعي إلى فعل تاريخي واعٍ يتحمّل مسؤولية اللحظة التاريخية، ويمنهج الفعل، ويضبط البوصلة، ويقوم بأدوار حاسمة، في ترشيد فهمنا لإشكاليتنا الوطنية، وإيجاد مخارج من مآزقنا الفكرية والثقافية، عبر تجاوز الحدود الواهية التي رسمتها أنانياتنا، وتخطّي الجدران التي بنتها ولاءاتنا العمياء أو تخندقنا الإيديولوجي الحديديّ ذات تعصّب أو حماس؟
أسئلة تطرح نفسها بأمل، بل رجاء، أن يتم الانتقال من الرغبة العامة في إيلاء الثقافة والمثقفين مكانتهم اللائقة، ودفاعهم عن مجالهم وحقوقه وقدسيته، إلى انتزاع هذا الحق وتلك المكانة، عبر البحث عن السبل الكفيلة ببناء الثقة بين المثقفين، وردم الهوة النفسية الحاصلة بينهم، والإسهام في إيجاد حركية فكرية وثقافية ميدانية، تفرض الاستماع إلى رأي المثقف، وتسمح ببناء مشروع ثقافي وطني في خطوطه العريضة، يشرع في الإجابة عن الأسئلة الثقافية الملحّة في هذا البلد، ويؤسس لعقلية وفعل جديدين، يمكنان المثقفات والمثقفين من الاعتزاز بوظيفتهم، ومضاعفة عطائهم، والرفع من حضورهم وفعاليتهم، لنتمكّن من تمهيد الطريق نحو مستقبل أفضل لهذا البلد، فلا توجد مسارات ديموقراطية حقيقية من دون حركية ثقافية ممهِّدة، وأفق فكري وثقافي يضيئ الطريق ويدافع عن المبادئ، ويجذّر الطروحات.
إنّه لا أمل بدون حركة فاعلة قوية، ترسّخ فعلا تشاركيا، وهبّة جماعية، قد تنطلق برؤية مطلبية في البداية فيحسبها المراقب البعيد حركة نقابية تخص المثقفين ومطالبهم الفئوية، لكنها ينبغي أن تنضج لتلج مجال عملها الحقيقي وتنتج أفكارا وبدائل ومسارات، وتؤسس قواعد وتبني رهانات، وينبغي أن ترتقي لتصبح قوة اقتراحية حقيقية، بل قوة معنوية ورمزية جاذبة لا يمكن تجاوزها.
غير أنها لن تكون هناك حتّى، تصل إلى درجة استيعاب أدوارها في المرحلة الراهنة، وحساسية مسؤوليتها إزاء البلد ومشاكله وآفاقه، فإذا ما سعت إلى صياغة ميثاق ثقافي يرسم معالم الغد المغربي ويؤسس لوجود خصب، بجذوره الضاربة في العمق، وتطلعاته الواعدة، ويفتل في مستقبل حرّ وقوي وآمن، فإنها قد عانقت وظيفتها الكبرى واستلمت مشعلها التنويري الحقيقي.
هكذا أفهم الدعوة إلى جعل 26 مارس من كل سنة يوما لاحتجاج المثقفين.

