ملف صحفي خاص / السلسلة – الحلقة الثالثة: الحكم الذاتي.. رهان المغرب لإنهاء نزاع الصحراء

الوطن24/ هيئة التحرير
لم يترك وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، مجالاً للالتباس بشأن المرجعية التي يتمسك بها المغرب في معالجة ملف الصحراء؛ فقد أكد، خلال المقابلة الخاصة التي بثّتها القناة الثانية المغربية، أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تظل الأساس الذي تنطلق منه المملكة في تصورها للحل السياسي.
ومن خلال حديثه عن المبادرة التي قدمها المغرب سنة 2007، وعن تطويرها، وشروط العودة إلى المفاوضات، فضلاً عن التحولات التنموية والمؤسساتية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، عرض بوريطة ملامح الرؤية المغربية للمرحلة المقبلة، في سياق دبلوماسي وصفه بأنه انتقال من «التدبير إلى التغيير».
وتكشف تصريحاته أن المغرب لا ينظر إلى الحكم الذاتي باعتباره مجرد مقترح تفاوضي، بل باعتباره محوراً لاستراتيجية سياسية ودبلوماسية وتنموية متكاملة، تسعى المملكة من خلالها إلى الوصول إلى تسوية نهائية للنزاع.
مبادرة 2007.. المرجعية التي يتمسك بها المغرب
استعاد بوريطة مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، مؤكداً أنها تظل المرجعية الأساسية للموقف المغربي.
وتقوم المبادرة على منح الأقاليم الجنوبية حكماً ذاتياً في إطار السيادة المغربية، بما يتيح تدبير الشؤون المحلية من خلال مؤسسات واختصاصات محددة، مع الحفاظ على الاختصاصات السيادية للدولة ووحدة المملكة.
ومن خلال حديثه، يتضح أن الرباط لا تعتبر مرور السنوات سبباً للتراجع عن هذه المبادرة، بل ترى أن التطورات التي عرفها الملف، وما تعتبره تنامياً للدعم الدولي لمقترحها، يعززان الحاجة إلى جعل الحكم الذاتي أساساً لأي مسار سياسي مقبل.
تطوير المبادرة.. استعداد مغربي لمتطلبات المرحلة
من بين النقاط المهمة التي أثارها بوريطة حديثه عن تطوير وتحيين مبادرة الحكم الذاتي، بما يجعلها أكثر تفصيلاً واستجابة لمتطلبات المرحلة المقبلة.
ويعكس هذا التوجه استعداد المغرب لتطوير تصوره وتقديم عناصر أكثر وضوحاً بشأن كيفية تنزيل الحكم الذاتي، ومؤسساته واختصاصاته، في إطار مفاوضات سياسية جادة.
غير أن الوزير ربط هذا المسار بوجود إطار تفاوضي واضح وأطراف مستعدة للانخراط فيه، بما يعني أن تطوير المبادرة لا ينفصل عن تحديد شروط الحوار والنتيجة السياسية المنتظرة منه.
وهنا تبرز رسالة أساسية في التصريحات: المغرب متمسك بمرجعيته، لكنه مستعد للعمل على تطوير تفاصيلها بما يخدم الوصول إلى حل سياسي.
لا مفاوضات من أجل المفاوضات
من الرسائل التي تكررت في حديث بوريطة رفض استمرار اجتماعات لا تحقق تقدماً ملموساً.
فالوزير يرى أن أي مسار سياسي مقبل ينبغي أن يكون واضحاً في أربعة عناصر أساسية: المرجعية التي ستنطلق منها المفاوضات، والأطراف المعنية بها، والجهة التي ستتولى تسهيلها، والنتيجة التي يُفترض أن تصل إليها.
وبذلك، فإن المغرب، وفق ما عرضه بوريطة، لا يرفض المفاوضات أو الدور الأممي، وإنما يريد تجاوز الصيغ التي ظلت، في نظره، تدور في حلقة مفرغة دون الوصول إلى تسوية.
وتتمثل الأولوية المغربية في أن تكون المفاوضات ذات مضمون سياسي واضح، وأن تنطلق من مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها المرجعية التي تتمسك بها المملكة.
ماذا لو رفض الطرف الآخر مقترح الحكم الذاتي؟
تطرق الحوار إلى احتمال رفض الجزائر أو جبهة البوليساريو للمبادرة المغربية، وهو سؤال يرتبط مباشرة بمستقبل المسار السياسي.
ومن خلال الجزء الواضح من جواب بوريطة، برز تمسك المغرب بخياراته الاستراتيجية ومواصلة العمل وفق ثوابته الوطنية، دون جعل رفض الطرف الآخر سبباً للتراجع عن المسار الذي اختارته المملكة.
ويعكس هذا الموقف ثقة الرباط في تراكمها الدبلوماسي وفي ما تعتبره تحولات إيجابية في المواقف الدولية، إلى جانب استمرار العمل التنموي والمؤسساتي في الأقاليم الجنوبية.
وبذلك، فإن الرؤية التي عرضها الوزير لا تجعل مستقبل المغرب رهيناً بموقف الرفض، بل تؤكد استمرار المملكة في الدفاع عن مبادرتها وتوسيع دائرة الدعم لها.
الأقاليم الجنوبية.. التنمية جزء من الرؤية المغربية
لم يفصل بوريطة بين الحل السياسي وبين التحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية على مستوى التنمية والبنيات التحتية والاستثمارات.
فقد أشار إلى المشاريع التنموية التي شهدتها المنطقة، وإلى أهمية البنيات التحتية والاستثمار والمشاركة السياسية والانتخابية في تعزيز حضور المؤسسات وتطوير تدبير الشأن المحلي.
وتبرز هذه النقطة أن المقاربة المغربية، كما عرضها الوزير، لا تقتصر على التحرك الدبلوماسي داخل المؤسسات الدولية، بل تستند أيضاً إلى عمل ميداني وتنموي يراد له أن يواكب الرؤية السياسية للمملكة.
فالتنمية في الأقاليم الجنوبية تشكل، في الخطاب المغربي، عنصراً أساسياً في بناء المستقبل، وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وتوسيع فرص المشاركة في تدبير الشأن المحلي.
من استرجاع الوحدة الترابية إلى ترسيخها بالتنمية
من العبارات اللافتة في حديث بوريطة ربطه بين المرحلة التاريخية التي ارتبطت باسترجاع الأقاليم الجنوبية، والمرحلة الحالية التي يراهن فيها المغرب على ترسيخ الوحدة من خلال التنمية والمؤسسات والمشاركة.
ويعكس هذا الطرح تحولاً في زاوية تقديم القضية؛ فلم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع عن الموقف المغربي في المحافل الدولية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بإبراز ما تحقق على الأرض، ومواصلة الاستثمار في مستقبل الأقاليم الجنوبية.
ومن هذا المنطلق، تندرج المشاريع التنموية والبنيات التحتية والاستثمارات ضمن رؤية أوسع تسعى إلى جعل التنمية رافعة للاستقرار والتقدم.
الدبلوماسية الملكية.. تراكم يدعم المبادرة المغربية
ربط بوريطة موقع المغرب في المرحلة الحالية بما تحقق خلال السنوات الماضية من عمل دبلوماسي تحت قيادة الملك محمد السادس.
وتحدث عن العلاقات الثنائية مع عدد من الدول، والمواقف الرسمية التي عبرت عنها عواصم دولية بشأن مبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب فتح قنصليات بالأقاليم الجنوبية وتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية.
واستحضر في هذا السياق مواقف عدد من الشركاء الدوليين، من بينهم الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، باعتبارها جزءاً من التراكم الدبلوماسي الذي تستند إليه المملكة في الدفاع عن تصورها للحل.
ويؤكد هذا الجانب من المقابلة أن المغرب يراهن على مواصلة العمل الدبلوماسي، بالتوازي مع التنمية الميدانية، من أجل تعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي في أي نقاش سياسي مقبل.
الحكم الذاتي.. عنوان المرحلة المقبلة
من خلال مجمل تصريحات ناصر بوريطة، يتضح أن المغرب يدخل المرحلة المقبلة وهو متمسك بمبادرة الحكم الذاتي، مع الاستعداد لتطوير تفاصيلها، والدفاع عنها دبلوماسياً، وربطها بالتحولات التنموية والمؤسساتية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية.
فالرسالة التي حملها الوزير واضحة: لا عودة إلى مفاوضات شكلية، ولا تراجع عن المرجعية المغربية، بل مواصلة العمل من أجل مسار سياسي واضح، بأطراف محددة ونتيجة منتظرة.
وهكذا، لا يظهر الحكم الذاتي في تصريحات بوريطة مجرد عنوان دبلوماسي، بل باعتباره جوهر التصور المغربي للحل، والمرتكز الذي تريد المملكة أن تؤسس عليه المرحلة المقبلة.
الخلاصة: بين تطوير مبادرة 2007، وتحديد شروط التفاوض، ومواصلة التنمية في الأقاليم الجنوبية، تؤكد تصريحات ناصر بوريطة أن المغرب يريد أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة نتائج سياسية ملموسة، لا استمراراً لإدارة نزاع طال أمده.
يتواصل الملف في الحلقة الرابعة: «ما بعد المينورسو.. هل يتأثر وقف إطلاق النار ومستقبل الاستقرار؟»
