مِنْ عَلى الكرسي …. المشهد الثاني

الوطن 24/ بقلم: ذ: ادريس بن شامة Minalakorssi@gmail.com
ما إِنْ أنهينا حصة المشي أنا وزميلي مُراد حتى التحقنا بالكرسي- كرسي الحديقة الذي كنت قد حدثتكم عنه في المشهد السابق، والذي يزداد ضررا وتخريبا، لضعف مقاومته للعوامل المناخية، وللتخريب الذي يطاله باستمرار من طرف مرتادي الحديقة – وجدنا رجلا جالسا عليه وطفلا صغيرا ذي ثلاث سنوات تقريبا يلعب أمامه، سلمنا عليه وجلسنا بجانبه.
ما أثار انتباهي هو تنفس الرجل المسموع وصوت تشجآته التي تثير الاشمئزاز، وخمنت حينها انه ليس على ما يرام، وانه في ضيق شديد، لأنه كان يُرَجِّع من حين لآخر قليلا من الطعام ويبصقه بجانبه الآخر على الأرض.
أمّا الطفل، فكان يلعب مع أترابه في سعادة وحبور، عندما ناداه ابوه ليحزم له رباط حذائه، اقبل عليه في خفة ونشاط، وبدا متسرعا مسرعا كأنه لا يريد ان يضيع وقتا من لعبه.
عندما انحنى الرجل راكعا ليربط له الحذاء – هنا يا أحبابي وقع ما لا يُصَدَّق ولا يُتَخَيَّل – ألقى من فمه ما كان في معدته؛ وهنا ظهر جليا سبب ضيقه واضطراب نَفَسه.
خليط من الأطعمة والأشربة أفرغها مكرها على الطفل الصغير، وانتشرت رائحة الحموضة لتزكم الأنوف، وما بالك بِالصَّبِي وإحساسه.
أنا لا انقل لكم يا أحبابي هذا المشهد المرعب قصد التسلية او لاستثارة عطفكم ولكن بهدف أخذ العبر والدروس.
ومن تلك اللحظة، أخذت قراري على ان احتاط لنفسي، وأنْ لا أُدْخِل الى جوفي كل ما يوضع على المائدة وأنْ أروِّضَ حواسي بالشبع التي أتلفت، وأن أتوقف قبل ان ينقطع نَفَسي.
وتساءلت مستفسرًا:
– أليس الطعام الزائد عن حاجتنا الذي ندخله الى أنبوبنا الهضمي ثروة نضيعها ومالا نبذره؟
– أليست الزوائد هي من تسبب لنا الأمراض الكثيرة التي نعاني منها ؟
– ألا يؤكد الأطباء وخبراء التغذية ان الجسم يحتاج كمية من الطعام اقل مما يعتقده أكثرنا؟
– ألم يفقد معظمنا قناة الوصل بين الدماغ والجسم التي تُشعرنا بالجوع عندما نكون جوعى وبالشبع عندما نكون قد استوفينا كفايتنا من الطعام؟
للأسف نحن تحولنا من أناس يأكلون ليعيشوا إلى أناس يعيشون ليأكلوا؛ لأننا ابتعدنا عن نهج وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ألم يضع لنا حبيبنا آدابا للأكل ومِنْها الِاعْتِدَالُ فِي الطَّعَامِ وَعَدَمُ مِلْءِ الْبَطْنِ والحديث الشريف واضح في هذا الباب حيث قال:” مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ” رواه الترمذي وابن ماجه.
وأنتم يا صدقائي ما رأيكم في كل هذا؟ ايمكن ان يبدأ التغيير من هذه النقطة. المهم ان يبدأ كل من نفسه وكما قال الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد:11]
انتظرونا يوم السبت القادم، في هذا الركن على جريدتنا الالكترونية الوطن24 وكل سبت، لعل الحياة تجود علينا بمشهد أفضل، وبموضوع للدراسة والنقاش أحسن، فلا تنسوا التفاعل معنا. فنحن ننتظر اقتراحاتكم، آراكم، مشاهد ترونها أفضل وافيد.
