عدول المغرب يصعدون ضد وهبي: قانون 16.22 يهدد التوثيق العدلي والهوية الشرعية

الوطن24/ خاص
يستعد عدول المغرب لخوض معركة تصعيدية غير مسبوقة ضد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، احتجاجاً على تمرير قانون رقم 16.22، الذي يعتبره الجسم العدلي خطراً حقيقياً على مستقبل المهنة وعلى منظومة التوثيق العدلي الشرعي بالمغرب، كما هو منصوص عليه في الفقه المالكي والهوية الثقافية الإسلامية للمملكة.
ويرى العدول أن هذا القانون لا يمس فقط بمهنة عريقة يعود تاريخها إلى سنة 1913، بل يستهدف أحد أعمدة الدولة المغربية، المتمثل في التوثيق العدلي الذي ارتبط تاريخياً بروابط “البيعة” بين السلاطين والشعب، ولعب أدواراً محورية في تحرير الأحكام القضائية والمراسلات الرسمية، معتمداً على الضبط الشرعي والتقاليد الفقهية الراسخة.
وفي هذا السياق، أكد سعيد الصروخ، المنسق الوطني للمجالس الجهوية للعدول بالمغرب، أن ميثاق إصلاح منظومة العدالة شدد صراحة على ضرورة حماية أموال المرتفقين، عبر تمكين منتسبي المهن القضائية، ومن ضمنهم العدول، من آلية حساب الودائع، باعتبارها آلية أساسية لضمان الشفافية وحماية الحقوق.
وأوضح الصروخ أن هذه الآلية لا تخدم فقط المهنيين، بل تحقق مصلحة وطنية عليا، من خلال تمكين الدولة من تتبع حركية الأموال، وتحسين الالتزامات الضريبية، والانسجام مع التزامات المغرب الدولية في مجال محاربة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن حماية أموال المواطنين في المعاملات العقارية والتجارية، باعتبار أن الأمن التوثيقي شرط جوهري للأمن العام.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن النسخة الأولى من مشروع القانون، التي أحيلت من الأمانة العامة للحكومة إلى القطاع الحكومي في نونبر 2023، كانت تتضمن بوضوح مسألة الإيداع، كما أن المحاضر الموقعة بين الهيئة الوطنية للعدول ووزارة العدل، في إطار الحوار القطاعي، كرست هذا التوجه. غير أن المشروع، حسب تعبيره، عرف انقلاباً كلياً على هذه الالتزامات، من خلال إسقاط آلية الإيداع دون مبررات مقنعة.
واعتبر الصروخ أن القانون بصيغته الحالية لا يخدم فئة العدول بالمغرب، بل يكرس تمييزاً واضحاً ضدهم مقارنة بباقي المهن القضائية المكلفة بتحرير وتوثيق العقود، وهو ما يتجلى بشكل صارخ في إسقاط حق حساب الودائع، معتبراً أن هذا التوجه يضرب في العمق مبدأ المساواة بين المهن القضائية.
وفي هذا السياق، يرى مهنيون أن ضرب التشريع المستند إلى المرجعية الإسلامية في ما يتعلق بمهنة العدول لا يمكن فصله عما يشهده التشريع القانوني عموماً بالمغرب؛ ففي الوقت الذي يؤكد فيه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية على مركزية المذهب المالكي وضرورة التمسك بالفقه المالكي أمام التحولات المجتمعية، يبرز على أرض الواقع تناقض صارخ ينعكس مباشرة على القانون والتشريع، من خلال انحراف خطير عن هذا المذهب، وغياب يكاد يكون تاماً ومتعمداً لاعتماد مرجعية الدولة الإسلامية، على الأقل في المجالات المرتبطة بالأسرة، والتوثيق العدلي، وسائر المعاملات الاجتماعية.
ويُنظر إلى ما تعيشه مهنة العدول اليوم باعتباره هجوماً كاسحاً على ثوابت التوثيق الشرعي لفائدة مهنة الموثقين، في إطار مسار تشريعي تراكمي يسعى، عبر التعقيد والاسترسال في القيود القانونية، إلى جعل التوثيق العصري بديلاً عن التوثيق العدلي. وهكذا، يُفكك التشريع عروةً عروة، بما يدفع عدول المغرب إلى مواجهة مباشرة مع وزير العدل، الذي يعتبره المهنيون عرّاب تقويض قلاع التشريع الإسلامي وفقه المذهب المالكي.
وشدد الصروخ على أن العدول يطالبون بمراجعة القانون في حدوده الدنيا، معبرين عن ثقتهم في أن المغرب دولة حق وقانون، وليست دولة امتيازات أو ريع تشريعي، ولا تخضع لضغوط اللوبيات أو ما وصفه المهنيون بـ“الخدمات التشريعية تحت الطاولة”، بهدف تكريس التمييز بين المهن القضائية.
وفي اتهام مباشر، اعتبر المنسق الوطني للمجالس الجهوية للعدول أن إسقاط صندوق الإيداع يشكل رضوخاً واضحاً لضغوط فئة الموثقين، الذين جاهر بعضهم بذلك علناً، مستحضراً تصريح رئيس المجلس الجهوي للموثقين بمراكش، الذي أكد أن العدول لن يحصلوا على حساب الودائع، في إشارة اعتبرها العدول دليلاً على اختلال ميزان التشريع، وكأن القوانين تصدر عن هيئات مهنية وليس عن المؤسسات الدستورية بالمغرب.
ويُنتظر أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً مهنياً وتنظيمياً من طرف عدول المغرب، في ظل احتقان متزايد داخل القطاع، وسط مطالب بفتح حوار وطني جدي يعيد الاعتبار لمهنة التوثيق العدلي، ويحمي دورها التاريخي والشرعي داخل المنظومة القانونية للمملكة.
