المحكمة الدستورية تُسقط قانون الصحافة في المغرب: ضربة جديدة لأغلبية أخنوش وبنسعيد

قرار المحكمة الدستورية بإلغاء قانون الصحافة والنشر الذي صادقت عليه الأغلبية البرلمانية لم يكن مجرد ملاحظة تقنية أو تصويب شكلي، بل شكّل حدثاً سياسياً ودستورياً بارزاً أعاد خلط الأوراق داخل المشهد السياسي والإعلامي في المغرب. فالقرار جاء ليؤكد من جديد أن التشريع ليس مجرد أرقام تصويت داخل البرلمان، بل مسؤولية دستورية تفرض الانسجام مع روح الدستور وضمان الحقوق والحريات الأساسية، وعلى رأسها حرية الصحافة والتعبير في المغرب.

لقد ترجمت إحالة القانون على المحكمة الدستورية من طرف الأقلية البرلمانية، التي تضم أحزاب المعارضة، نبض الصحافة المستقلة والإعلام الحر، بعدما تحوّل التصويت الأغلبي عليه إلى حالة من الزيغ التشريعي، بما يمكن اعتباره خرقاً قانونياً جسيماً بكل المقاييس. فقد مضى الوزير محمد المهدي بنسعيد مزهواً بأغلبية مصطنعة، قاطعاً مع منطق دستورية القوانين والتشريعات، في سابقة خطيرة داخل البرلمان المغربي، الذي بدا وكأنه مختطف بإرادة عددية تُمرَّر بها نصوص تمس جوهر الحقوق والحريات، في تعارض صريح مع الضمير الوطني والمنحى التشريعي السليم.

هذا الإلغاء وُصف على نطاق واسع بكونه ضربة موجعة للأغلبية الحكومية التي يقودها عزيز أخنوش، ولوزير الشباب والثقافة والتواصل، باعتبار أن القانون كان من أبرز النصوص التي دافعت عنها الحكومة وقدّمته كجزء من “إصلاح منظومة الإعلام” في المغرب. غير أن المحكمة الدستورية قالت كلمتها بوضوح، حين اعتبرت أن مقتضيات أساسية في القانون لا تستجيب للضوابط الدستورية، وهو ما منح مصداقية كبيرة للتحذيرات التي أطلقتها هيئات صحفية وحقوقية مغربية منذ بداية النقاش حول المشروع.

القرار كشف أيضاً عن ارتباك تشريعي داخل الأغلبية البرلمانية، التي مرّرت القانون بسرعة ملحوظة، متجاهلة أصواتاً مهنية وحقوقية اعتبرت أن النص يتضمن تراجعاً خطيراً عن مكتسبات راكمها الجسم الصحفي في المغرب عبر سنوات من النضال. كما أعاد إلى الواجهة سؤال الكفاءة التشريعية وجودة القوانين التي تُنتَج داخل البرلمان المغربي، خاصة عندما يتعلق الأمر بنصوص حساسة تمس حرية التعبير والرأي العام.

سياسياً، يصعب فصل هذا التطور عن السياق العام الذي تعيشه حكومة أخنوش في المغرب، حيث تتلقى ضربات متتالية تبرهن عن سوء تدبيرها لعدد من القطاعات الحيوية، من بينها قطاع الصحافة والإعلام. ويأتي هذا القرار كرسالة واضحة مفادها أن منطق التحكم والتضييق، حتى وإن اتخذ لبوساً قانونياً، لا يمكن أن يمر دون رقابة دستورية. أما على مستوى صورة وزير التواصل، فقد وجد نفسه في موقف حرج، بعدما قُدّم القانون باعتباره خطوة تنظيمية، ليُسقطه أعلى جهاز دستوري في المغرب.

في المقابل، اعتُبر القرار انتصاراً معنوياً للصحافة المغربية ولمبدأ سمو الدستور، ورسالة طمأنة نسبية بأن هامش الحرية لا يزال محمياً بمؤسسات دستورية قادرة على تصحيح المسار حين ينحرف التشريع عن مقاصده. كما أعاد الاعتبار لدور المعارضة البرلمانية والمجتمع المدني والهيئات المهنية في المغرب التي رفضت منطق الأمر الواقع، وراكمت مرافعات قانونية وإعلامية أثمرت في نهاية المطاف.

في المحصلة، ما وقع ليس نهاية النقاش، بل بدايته الحقيقية. فإلغاء القانون يفرض على الحكومة والأغلبية البرلمانية في المغرب إعادة النظر في كثير من القرارات التي مررتها خارج منطق التوافق واحترام الدستور، ومراجعة منهجية إعداد القوانين، والانفتاح الجدي على المهنيين، إذا كانت فعلاً تريد إصلاحاً يخدم حرية الصحافة في المغرب بدل تقليصها. أما تجاهل الرسالة الدستورية، فسيجعل من هذا القرار مجرد حلقة إضافية في سلسلة إخفاقات سياسية وتشريعية ستظل تلاحق الحكومة في قادم الاستحقاقات.