المغرب.. إدانة نائب الوكيل العام للملك بفاس في قضية رشوة تهز المؤسسة القضائية وتكرّس مبدأ “لا أحد فوق القانون”

الوطن24/ فاس.
في واحدة من أبرز القضايا التي شغلت الرأي العام في المغرب خلال الأشهر الأخيرة، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بالرباط الستار على ملف نائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمدينة فاس، بعد متابعته في حالة اعتقال على خلفية اتهامات تتعلق بالرشوة واستغلال النفوذ.
وتفجرت القضية عقب شكاية رسمية تقدم بها حسن بلمقدم برلماني ينتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، اتهم فيها المسؤول القضائي بطلب مبلغ مالي قدره 50 مليون سنتيم مقابل تدخل مزعوم في ملف قضائي. ووفق المعطيات التي تم تداولها إعلامياً، فإن الشكاية كانت مدعومة بعناصر إثبات اعتبرتها الجهات المختصة جدية بما يكفي لفتح تحقيق قضائي معمق، انتهى بقرار المتابعة في حالة اعتقال وإيداع المعني بالأمر السجن المحلي “بوركايز”.
التحقيقات التي باشرتها الجهات القضائية المختصة قادت إلى إحالة الملف على غرفة جرائم الأموال بالرباط، بالنظر إلى طبيعة التهم وخطورة الصفة المهنية للمتابع. وبعد جلسات استماع ومرافعات قانونية، أصدرت المحكمة حكمها بإدانة نائب الوكيل العام بعقوبة حبسية مدتها سنتان، منها سنة واحدة نافذة، إضافة إلى غرامة مالية، في خطوة اعتبرها متابعون مؤشراً واضحاً على جدية التعاطي مع قضايا الفساد داخل المؤسسات الحساسة.
القضية لم تكن مجرد واقعة جنائية معزولة، بل شكلت اختباراً حقيقياً لمدى التزام المغرب بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسؤولين داخل الجهاز القضائي. فالمؤسسة القضائية، بحكم دورها المركزي في حماية الحقوق والحريات وضمان سيادة القانون، تُعد من أكثر المؤسسات التي يُنتظر منها الالتزام الصارم بأعلى معايير النزاهة والاستقلالية.
ويرى مراقبون أن إحالة مسؤول قضائي بهذا المستوى على المحاكمة وإدانته قضائياً تعكس توجهاً واضحاً نحو عدم التساهل مع أي شبهة فساد، بغض النظر عن الموقع أو الصفة. كما أن نقل الملف إلى محكمة مختصة بجرائم الأموال خارج الدائرة الترابية للمعني بالأمر يعكس حرصاً على ضمان شروط المحاكمة العادلة وتفادي أي تضارب محتمل في المصالح.
وتأتي هذه القضية في سياق وطني يتسم بتزايد المطالب المجتمعية بتخليق الحياة العامة وتعزيز الشفافية داخل المؤسسات، في ظل رهانات داخلية وخارجية تتعلق بجاذبية الاستثمار وثقة المواطنين في العدالة. فمحاربة الفساد لم تعد فقط شأناً أخلاقياً أو سياسياً، بل أصبحت ركيزة أساسية في تقييم مناخ الأعمال وفعالية مؤسسات الدولة.
ورغم خطورة الوقائع التي كشفت عنها التحقيقات، فإن مسار الملف احترم الضمانات القانونية، بما في ذلك قرينة البراءة وحق الدفاع، إلى أن صدر الحكم القضائي الابتدائي. ويظل الحكم قابلاً للطعن وفق المساطر القانونية المعمول بها، ما يعكس سير العدالة ضمن إطارها المؤسساتي الطبيعي.
بهذا التطور، يبعث القضاء المغربي رسالة قوية مفادها أن مبدأ “لا أحد فوق القانون” ليس مجرد شعار، بل ممارسة فعلية تمتد حتى إلى داخل أسوار المؤسسة القضائية نفسها، في مسار يهدف إلى تعزيز الثقة وترسيخ دولة الحق والقانون.
