المغـرب: القنيطرة تختنق بالإسمنت… هل خسر التخطيط الحضري معركة المساحات الخضراء؟

الوطن24/ خاص
بينما تتسابق مدن العالم إلى توسيع حدائقها العامة وتعزيز فضاءاتها البيئية لمواجهة التغير المناخي وتحسين جودة الحياة، تبدو مدينة القنيطرة، شمال غرب المغرب، وكأنها تعيش مسارًا مختلفًا؛ فمشهد العمارات السكنية التي ترتفع بوتيرة متسارعة أصبح يطغى على المشهد العمراني، في مقابل تراجع واضح للمساحات الخضراء، ما يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل المدينة البيئي والعمراني.
في شوارع القنيطرة وأحيائها الجديدة، يلاحظ السكان والزوار التوسع المستمر للبناء، بينما تتراجع الفضاءات المفتوحة التي كانت تشكل متنفسًا طبيعيًا للسكان. ويصف كثيرون المدينة بأنها لم تعد تتنفس الهواء، بل أصبحت “تتنفس الإسمنت”، في تعبير يعكس حجم القلق من التحولات التي يعرفها المجال الحضري.
وتبرز المفارقة في كون القنيطرة ليست مدينة فقيرة بالموارد الطبيعية. فهي تتوسط موقعًا استراتيجيًا يجاور المحيط الأطلسي، ويعبرها نهر سبو، كما تحيط بها غابات ومناطق طبيعية ذات قيمة بيئية كبيرة. غير أن هذا الغنى الطبيعي لا ينعكس، بحسب ملاحظات عدد من السكان والمهتمين بالشأن المحلي، على حجم المساحات الخضراء داخل النسيج الحضري للمدينة.
وتثير هذه التحولات أسئلة مشروعة حول السياسات العمرانية المعتمدة. فهل يتم احترام التوازن بين التوسع العقاري والمحافظة على البيئة؟ وهل تمنح وثائق التهيئة الحضرية للمجال الأخضر المكانة التي تستحقها؟ وما مدى التزام المشاريع الجديدة بتوفير الحدائق والفضاءات العمومية وفق المعايير المعمول بها في التخطيط الحضري الحديث؟
ويشير مختصون في التخطيط العمراني إلى أن النمو الديموغرافي والتوسع العمراني لا يتعارضان بالضرورة مع الحفاظ على البيئة، بل إن التجارب الدولية الناجحة تثبت أن التنمية المستدامة تقوم على تحقيق التوازن بين الاستثمار والبنية التحتية والحق في بيئة سليمة. فالمساحات الخضراء لم تعد عنصرًا تجميليًا، بل أصبحت جزءًا من الأمن البيئي والصحي للمدن، لما توفره من تحسين لجودة الهواء، والحد من ارتفاع درجات الحرارة، وخلق فضاءات للترفيه والاندماج الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يطرح متابعون للشأن المحلي تساؤلات حول مدى تأثير الضغوط العقارية على المشهد العمراني، وحول قدرة المؤسسات المكلفة بالتخطيط والمراقبة على حماية ما تبقى من المجال الأخضر، خاصة مع استمرار التوسع العمراني في عدد من أحياء المدينة.
ولا يتعلق الأمر برفض الاستثمار العقاري، فهو يمثل ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية وتوفير السكن وفرص الشغل، وإنما يتعلق بضرورة إخضاع هذا الاستثمار لرؤية حضرية متوازنة تضع الإنسان والبيئة في صلب عملية التنمية، وتحول دون تحول المدن إلى كتل إسمنتية تفتقر إلى مقومات العيش المستدام.
إن القنيطرة، باعتبارها إحدى المدن الصاعدة في المغرب، تقف اليوم أمام اختبار حقيقي. فإما أن تنجح في تحقيق معادلة التنمية المتوازنة التي تجمع بين العمران والبيئة، أو أن تستمر في فقدان فضاءاتها الخضراء لصالح التوسع العمراني، بما يحمله ذلك من آثار بيئية وصحية واجتماعية على الأجيال المقبلة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: من يتحمل مسؤولية حماية المجال الأخضر في القنيطرة؟ وهل ستشهد المرحلة المقبلة مراجعة للسياسات العمرانية بما يضمن حق السكان في مدينة أكثر توازنًا واستدامة، أم أن زحف الإسمنت سيواصل إعادة تشكيل ملامح المدينة على حساب حقها الطبيعي في التنفس؟
