الإقصاء ليس نهاية العالم… بل بداية الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها الجميع

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
حين يسقط منتخب بحجم المنتخب الوطني المغربي في ربع نهائي كأس العالم، يكون من السهل أن ترتفع أصوات الغضب، وأن تتسابق منصات التواصل الاجتماعي إلى توزيع الاتهامات، وكأن الهزيمة تلغي كل ما تحقق قبلها. لكن هل هذه هي القراءة التي يستحقها منتخب صنع خلال السنوات الأخيرة مجدًا كرويًا أعاد للمغرب مكانته بين كبار العالم؟
قبل أن نحكم، علينا أن نتذكر من أين بدأنا، وأين أصبحنا اليوم. فالأمس ليس هو اليوم، واليوم بالتأكيد لن يكون هو الغد. كرة القدم لا تُبنى على مباراة واحدة، ولا تُهدم بهزيمة واحدة، بل هي مشروع طويل يمر بمحطات النجاح كما يمر بمحطات الإخفاق.
لقد اعتاد المغاربة في السنوات الأخيرة على رؤية منتخبهم ينافس كبار العالم، حتى أصبح الوصول إلى الأدوار المتقدمة أمرًا يبدو عاديًا في نظر الكثيرين. وهذا في حد ذاته مؤشر على حجم التطور الذي عرفته كرة القدم الوطنية، لكنه في الوقت نفسه خلق سقفًا مرتفعًا من التوقعات، حتى صار أي تعثر يُنظر إليه وكأنه فشل مطلق.
كفى من الأحكام المتسرعة… وكفى من الاتهامات المجانية. فليس كل إقصاء يعني انهيار المشروع، وليس كل خسارة تعني أن كل شيء كان خاطئًا. كما أن تحويل بعض الأخطاء التحكيمية أو الخيارات الفنية إلى شماعة وحيدة للهزيمة لا يساعد على فهم الحقيقة كاملة.
نعم، قد تكون هناك قرارات تحكيمية أثارت الجدل، وربما كانت هناك اختيارات تكتيكية تستحق النقاش، لكن الحقيقة الأهم هي أن المباراة كشفت أيضًا جوانب تحتاج إلى مراجعة داخل المنتخب، سواء على المستوى الفني أو الذهني أو التكتيكي. والاعتراف بذلك لا ينتقص من قيمة اللاعبين ولا من قيمة الإطار الوطني، بل يؤكد أن النجاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بمواطن الخلل.
اليوم، لا يحتاج الشارع الرياضي المغربي إلى تبادل الاتهامات بقدر ما يحتاج إلى إجابات واضحة. فمن حق الرأي العام أن يعرف كيف تم تقييم هذه المشاركة، وما هي الخلاصات التي خرج بها المسؤولون، وما هي الإجراءات التي ستُتخذ لتفادي تكرار الأخطاء في الاستحقاقات المقبلة.
ومن هنا، فإن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بالتواصل مع الرأي العام الوطني، وتقديم قراءة موضوعية للمشاركة، بعيدًا عن لغة المجاملات أو ردود الفعل الانفعالية. فالمصارحة لا تُضعف المؤسسات، بل تعزز الثقة فيها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتخب يمثل آمال ملايين المغاربة.
إن المرحلة المقبلة لا تحتمل الاكتفاء بالشعارات، لأن المغرب مقبل على استحقاقات تاريخية، في مقدمتها كأس أمم إفريقيا، ثم تنظيم كأس العالم 2030. وهذه المواعيد تتطلب تقييمًا شجاعًا، وتصحيحًا دقيقًا، واستمرارًا في البناء، حتى يبقى المنتخب الوطني قادرًا على المنافسة مع أفضل منتخبات العالم.
الهزيمة ليست نهاية الطريق… بل قد تكون بداية طريق أكثر نضجًا. والإقصاء ليس سقوطًا، بل درسٌ يجب أن يُقرأ بعقل، لا بعاطفة، وبالحقائق، لا بالانفعالات.
اليوم قد نخطئ… وغدًا يمكن أن نتعلم. واليوم قد نغادر بطولة… لكن الغد قد يحمل إنجازًا أكبر، إذا امتلكنا شجاعة المراجعة، وحكمة النقد، وإرادة الإصلاح.
فالأمم الكروية الكبرى لا تُقاس بعدد مرات انتصارها فقط، بل بقدرتها على تحويل الهزائم إلى فرص، والإخفاقات إلى خطوات جديدة نحو النجاح.
