فرنسا: ميلانشون يدين العنف والنهب ويحمّل الحكومة مسؤولية تفاقم الأزمة.. ومطالب بعشرة مليارات يورو وإلغاء «باركورسوپ»

الوطن24/ باريس
في تطور جديد يعكس اتساع المواجهة السياسية في فرنسا عقب احتجاجات 17 أكتوبر الجاري، أدان جان لوك ميلانشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» والمرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، مشاهد العنف والتخريب والنهب التي رافقت المظاهرات في عدد من المدن الفرنسية، معتبراً أن إحراق بلدية ليموج والاعتداء على مقر بلدية مرسيليا يمثلان مساساً بمؤسسات عمومية يفترض أن تظل في خدمة المواطنين.
وفي مقابلة تلفزيونية يوم الأحد 18 أكتوبر، عبّر ميلانشون عن صدمته إزاء مشاهد التخريب، مؤكداً رفضه للعنف، ومشدداً على أن حزبه لم يصدر تعليمات تتجاوز الدعوة إلى التجمع والتظاهر. لكنه في المقابل وجّه انتقادات حادة إلى وزير الداخلية لوران نونيز والحكومة، محمّلاً السلطات مسؤولية سياسية عن طريقة تدبير الأزمة الأمنية والاجتماعية، ومشككاً في مدى استعداد الأجهزة المعنية للتعامل مع حجم التعبئة الاحتجاجية.
ميلانشون: لا يمكن تجاهل أسباب الغضب الشعبي
لم يفصل زعيم «فرنسا الأبية» بين إدانة أعمال التخريب والدفاع عن المطالب الاجتماعية التي خرج المحتجون للتعبير عنها، معتبراً أن جوهر الأزمة يرتبط بارتفاع تكاليف المعيشة، والصعوبات التي يواجهها الشباب والطلاب، وتراجع الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
وانتقد ميلانشون ما وصفه بسوء تدبير السلطات للأحداث، موجهاً أصابع الاتهام إلى وزير الداخلية لوران نونيز، كما حمّل الحكومة مسؤولية ما اعتبره تركاً للتوترات تتفاقم قبل التحرك لمواجهتها.
وفي الوقت نفسه، نفى أن تكون حركته هي التي تقود الاحتجاجات أو تتحكم في جميع المشاركين فيها، مؤكداً أن الدعوة إلى التجمع لا تعني تبني أعمال النهب والتخريب التي ارتكبتها مجموعات خلال الأحداث.
وتأتي هذه التصريحات بعدما اتهمت الحكومة أطرافاً متطرفة ومجموعات من مثيري الشغب بالوقوف وراء أعمال العنف، في وقت يستمر فيه الجدل بشأن مسؤولية مختلف الأطراف عن تطورات الشارع الفرنسي.
عشرة مليارات يورو وتجميد أسعار الوقود
ووجّه ميلانشون نداءً إلى الرئيس إيمانويل ماكرون من أجل الاستجابة للمطالب الاجتماعية، مقترحاً تجميد أسعار الوقود، وتخصيص عشرة مليارات يورو في الميزانية المقبلة للاستجابة للمطالب المرتبطة بالتعليم والشباب، إلى جانب إلغاء نظام «باركورسوپ» (Parcoursup)، المعتمد لتنظيم الولوج إلى التعليم العالي في فرنسا.
كما طالب بتعويض التجار الذين تعرضت محلاتهم للنهب والتخريب، محذراً من أن أصحاب الأنشطة التجارية لا ينبغي أن يتحملوا وحدهم تبعات أحداث تسببت في خسائر مادية كبيرة.
وتضع هذه المقترحات الحكومة أمام نقاش بشأن سبل التوفيق بين حماية القدرة الشرائية، والاستجابة لمطالب الطلاب، وضمان استمرار النشاط الاقتصادي، في ظل الضغوط التي تواجه المالية العامة الفرنسية.
غير أن هذه المطالب تظل مقترحات سياسية صادرة عن زعيم معارض، ولا تعني أن الحكومة وافقت عليها أو شرعت في تنفيذها.
إحراق بلدية ليموج يفتح ملف حماية المؤسسات العمومية
كانت بلدية ليموج من أبرز المواقع التي شهدت أحداثاً خطيرة خلال احتجاجات السبت، بعدما اندلع حريق في المبنى التاريخي، فيما تعرض مقر بلدية مرسيليا للاقتحام والتخريب.
وأعادت هذه الوقائع إلى الواجهة أسئلة بشأن الاستعداد الأمني، وتوزيع القوات، ومدى قدرة السلطات على حماية المباني العمومية والمحلات التجارية، خصوصاً في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات وتعدد بؤر التوتر.
وفي المقابل، لا يمكن الخلط بين المتظاهرين الذين شاركوا سلمياً في التعبير عن مطالبهم، والأشخاص الذين تورطوا في أعمال عنف أو نهب. فالمسؤولية عن الأفعال المخالفة للقانون ينبغي تحديدها على أساس الوقائع والتحقيقات، بعيداً عن التعميم على حركة احتجاجية تضم فئات ودوافع مختلفة.
الحكومة تحت ضغط مزدوج
تواجه السلطة التنفيذية الفرنسية تحدياً مزدوجاً: استعادة الأمن وحماية الممتلكات، من جهة، والتعامل مع المطالب الاجتماعية التي ساهمت في اتساع الاحتجاجات، من جهة أخرى.
فالتشدد الأمني وحده لا يقدم بالضرورة إجابة عن أسئلة القدرة الشرائية وأوضاع الطلاب والخدمات العمومية، كما أن المطالب الاجتماعية لا يمكن أن تبرر الاعتداء على المؤسسات أو الإضرار بمصالح التجار والمواطنين.
ومن هنا، فإن المواجهة بين ميلانشون والحكومة لا تتعلق فقط بتبادل الاتهامات بشأن أحداث 17 أكتوبر، بل تمتد إلى خلاف أوسع حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وحدود مسؤولية السلطة التنفيذية عن احتواء الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات في الشارع.
وفي انتظار ما ستسفر عنه القرارات الحكومية المقبلة، يبقى الرهان الأساسي أمام فرنسا هو استعادة الهدوء، ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف وفق القانون، وفتح نقاش جدي حول المطالب الاجتماعية التي رفعتها الاحتجاجات.
