المينورسو.. نهاية مرحلة أم بداية إطار جديد؟ ناصر بوريطة يشرح ملامح التحول المغربي

ملف صحفي خاص | سلسلة: ما بعد المينورسو
الوطن24/ هيئة التحرير
لم يكن حديث وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء مجرد نقاش تقني حول تمديد الولاية أو إنهاء مهمة أممية؛ بل حمل رسائل سياسية أعمق تتعلق بمستقبل الحضور الأممي، وطبيعة المسار السياسي، والآليات التي يرى المغرب أنها لم تعد منسجمة مع واقع الملف.
ففي المقابلة الخاصة التي بثّتها القناة الثانية المغربية، قدّم بوريطة تصور المملكة للمرحلة المقبلة، موضحاً أن التعامل مع عدم تجديد ولاية المينورسو ينبغي ألا يُفهم باعتباره مجرد إجراء إداري، بل باعتباره محطة تفرض إعادة النظر في طريقة تدبير الملف، وفي طبيعة الآليات التي ظلت تؤطره لسنوات.
ومن خلال تصريحاته، يتضح أن المغرب يريد الانتقال من مرحلة ارتبطت بآليات تقليدية إلى مرحلة جديدة، عنوانها وضوح المرجعية السياسية، وتحديد أهداف المفاوضات، وربط أي حضور أممي بمدى مساهمته في الوصول إلى حل.
المينورسو.. سؤال المهمة التي لم تحقق هدفها الأصلي
توقف بوريطة عند الخلفية التي أُنشئت في سياقها بعثة المينورسو سنة 1991، ولا سيما ارتباط اسمها ومهمتها بالاستفتاء، معتبراً أن هذا الإرث لم يعد يعكس واقع الملف بعد عقود من التعثر.
واستحضر الوزير ما سبق أن صدر عن مسؤولين أمميين بشأن صعوبة تنظيم الاستفتاء، ليطرح سؤالاً حول مدى استمرار ملاءمة بعثة تحمل في اسمها ومهامها مرجعية لم تتمكن الأمم المتحدة من تنفيذها.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في القراءة المغربية التي عرضها بوريطة: لا يمكن، في نظر الرباط، أن تستمر الآليات نفسها إلى ما لا نهاية، من دون تقييم حصيلتها ومدى قدرتها على مواكبة التطورات السياسية التي عرفها النزاع.
ولا يعني هذا الطرح، وفق ما أوضحه الوزير، رفض العمل الأممي من حيث المبدأ، بل الدعوة إلى مراجعة الإطار الذي يتحرك من خلاله، حتى يصبح أكثر ارتباطاً بالهدف السياسي المتمثل في الوصول إلى تسوية.
عدم تجديد الولاية.. ليس طرداً للبعثة
من أكثر النقاط التي حرص بوريطة على توضيحها مسألة ما يترتب عن عدم تجديد ولاية المينورسو.
فقد شدد على أن المغرب لا يقدم الأمر باعتباره طرداً للبعثة، وإنما باعتباره نتيجة مرتبطة بعدم تجديد ولايتها، وما يستتبعه ذلك من ترتيبات بشأن استمرار وجودها الميداني.
وتحدث الوزير عن الأفراد والمركبات والتجهيزات واللافتات والرموز المرتبطة بالبعثة في الأقاليم الجنوبية، موضحاً أن التعامل مع هذه العناصر يندرج ضمن مرحلة انتقالية ينبغي تدبيرها بالتشاور مع الجهات الأممية المختصة.
كما أشار إلى أن المغرب سيجري مشاورات تقنية مع مجلس الأمن وإدارة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة، من أجل معالجة الجوانب العملية المرتبطة بهذا الانتقال.
وتبرز أهمية هذا التوضيح في أن الرباط تريد، وفق ما عرضه بوريطة، أن يتم التعامل مع المرحلة الجديدة وفق إجراءات واضحة، لا من خلال قرارات ارتجالية أو تأويلات سياسية لا تعكس طبيعة ما يجري.
ثلاث واجهات للحضور الدولي
في تحليله لطبيعة الحضور الدولي المرتبط بالملف، تحدث بوريطة عن ثلاثة مستويات أساسية: الوجود الميداني لبعثة المينورسو، ومناقشة الملف داخل مجلس الأمن وما يرتبط بذلك من تقارير واجتماعات، ثم الوضع الإنساني والسياسي في مخيمات تندوف.
ويرى الوزير أن مراجعة مستوى حضور البعثة وطبيعة التقارير المرتبطة بها قد تؤثر في الطريقة التي ظل بها الملف حاضراً في الأجندة الدولية.
ومن هنا، فإن حديثه عن مستقبل المينورسو يتجاوز مسألة الموظفين والمركبات والتجهيزات، ليصل إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة التدويل الذي رافق الملف، وكيف يمكن أن تتغير آلياته في المرحلة المقبلة.
لكن هذا التقييم يظل قراءة سياسية مغربية للتطورات، ولا يعني أن مجلس الأمن سيتوقف عن مناقشة الملف أو أن الأمم المتحدة ستنهي دورها تلقائياً بمجرد عدم تجديد ولاية البعثة.
المغرب لا يرفض الأمم المتحدة.. لكنه يريد مساراً واضحاً
من الرسائل المهمة في تصريحات بوريطة أنه لم يعلن رفض المغرب استمرار الدور الأممي، بل أكد أن الرباط لا تستبعد العودة إلى مسار سياسي تحت إشراف الأمم المتحدة، شريطة أن يكون هذا المسار واضحاً في أسسه وأطرافه ونتائجه.
فالاعتراض المغربي، كما عرضه الوزير، ينصب على استمرار عملية سياسية لا تفضي إلى نتيجة، وعلى الاجتماعات التي تتحول إلى غاية في حد ذاتها بدل أن تكون وسيلة للوصول إلى حل.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن أي مسار مقبل ينبغي أن يجيب بوضوح عن مجموعة من الأسئلة: ما المرجعية التي ستنطلق منها المفاوضات؟ من هي الأطراف المعنية؟ ما الجهة التي ستتولى تسهيل الحوار؟ وما النتيجة السياسية المنتظرة؟
ومن خلال هذا التصور، يريد المغرب أن تكون العودة إلى المفاوضات مرتبطة بمضمون واضح، لا بمجرد استئناف لقاءات سابقة من دون تغيير في قواعدها أو أهدافها.
الحكم الذاتي.. المرجعية المغربية للمرحلة المقبلة
في حديثه عن طبيعة الحل السياسي، أكد بوريطة أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تظل الأساس الذي تتمسك به المملكة.
وهذا الموقف يوضح أن المغرب لا ينظر إلى مراجعة دور المينورسو باعتبارها غاية مستقلة، بل باعتبارها جزءاً من تصور أوسع يرمي إلى جعل المسار السياسي أكثر ارتباطاً بمقترح الحكم الذاتي.
كما شدد الوزير على أن المغرب لا يريد العودة إلى مفاوضات مفتوحة على جميع الاحتمالات من دون تحديد مرجعيتها، وإنما يدعو إلى مسار واضح يفضي إلى نتيجة سياسية.
وتحدث كذلك عن إمكانية الاستفادة من قنوات دبلوماسية متعددة، بما فيها العلاقات الثنائية مع الدول، وأدوار المنظمات الإقليمية والدولية، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الدور الأممي إذا توفرت شروطه.
مخيمات تندوف.. البعد الإنساني في صلب النقاش
لم يغفل بوريطة الحديث عن مخيمات تندوف، حيث أثار مسألة استمرار الوضع الإنساني وما يرتبط به من أسئلة سياسية، معتبراً أن هذا الملف ينبغي أن يكون حاضراً في أي نقاش جدي حول مستقبل النزاع.
ومن خلال إثارته لهذه النقطة، أراد الوزير التأكيد على أن معالجة الملف لا ينبغي أن تقتصر على الجوانب الدبلوماسية والمؤسساتية، بل يجب أن تشمل أيضاً الأوضاع الإنسانية المرتبطة به.
وتندرج هذه الإشارة ضمن الرؤية المغربية التي تدعو إلى مقاربة شاملة، تتناول مختلف أبعاد النزاع، بدل حصر النقاش في تمديد ولاية بعثة أممية أو مناقشة تفاصيل عملها الميداني.
وقف إطلاق النار.. ملف منفصل عن مستقبل البعثة
ومن النقاط التي حرص بوريطة على توضيحها الفصل بين عدم تجديد ولاية المينورسو ووقف إطلاق النار.
فقد أكد أن المغرب يظل ملتزماً بوقف إطلاق النار، وأن مراجعة وضع البعثة لا تعني التخلي عن هذا الالتزام.
كما تحدث عن التطورات التي شهدتها المنطقة منذ سنة 2020، وعن تقييم المغرب لسلوك الطرف الآخر في ما يتعلق بالالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار.
وتبرز أهمية هذا الفصل في أن مستقبل البعثة الأممية لا ينبغي الخلط بينه وبين الوضع الميداني أو الالتزامات المرتبطة بالاستقرار. فلكل ملف اعتبارات ومسارات مختلفة، ولا يترتب على انتهاء ولاية البعثة انتهاء وقف إطلاق النار بصورة تلقائية.
مرحلة انتقالية أم إعادة بناء للمسار؟
من خلال مجمل تصريحات بوريطة، يبدو أن المغرب يريد التعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها فرصة لإعادة بناء المسار السياسي على أسس مختلفة.
فالمسألة، وفق الرؤية التي عرضها الوزير، لا تتعلق فقط بمصير المينورسو أو بوجودها الميداني، بل بمراجعة العلاقة بين الآليات الأممية والهدف السياسي الذي يفترض أن تخدمه.
والرسالة المغربية هنا واضحة: لا اعتراض على أي مسار جاد يفضي إلى حل، ولا رفض للدور الأممي من حيث المبدأ، لكن استمرار الوضع السابق من دون مراجعة لم يعد، في نظر الرباط، خياراً مقنعاً.
وهكذا، فإن مستقبل المينورسو يتحول في تصريحات بوريطة إلى مدخل لنقاش أوسع حول مستقبل الملف برمته، وحول ضرورة الانتقال من إدارة نزاع طال أمده إلى الدفع نحو تسوية سياسية تستند إلى مرجعية واضحة، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
خلاصة الحلقة الثانية: من خلال تصريحات ناصر بوريطة، لا يريد المغرب أن تكون نهاية مرحلة المينورسو مجرد تغيير في شكل الحضور الأممي، بل فرصة لإعادة تحديد قواعد المسار السياسي، بما يجعل المفاوضات أكثر وضوحاً وارتباطاً بالحل الذي تقترحه المملكة.
يتواصل الملف في الحلقة الثالثة: «الحكم الذاتي.. ما شروط التفاوض في المرحلة المقبلة؟»
