المغرب يطلق جيلاً جديداً من استراتيجية الأمن المائي.. نزار بركة يكشف عن مشاريع ضخمة لتعزيز السيادة المائية في أفق 2031

في خطوة تعكس التحول نحو تدبير استراتيجي واستباقي لواحد من أكبر التحديات التي تواجه المملكة، كشف وزير التجهيز والماء والغابات، نزار بركة، عن إطلاق استراتيجية جديدة للأمن المائي بالمغرب، تأخذ بعين الاعتبار التحولات المناخية الكبرى وتداعيات الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة، في إطار توجه يروم تعزيز السيادة المائية وضمان استدامة الموارد المائية للأجيال المقبلة.

وأكد بركة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، يوم الاثنين 2 نونبر 2026، أن هذه الاستراتيجية تأتي تفعيلاً للتوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من الولاية التشريعية الحالية، والذي دعا إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، وفي مقدمتها استراتيجية الأمن المائي.

وأوضح الوزير أن المغرب يواجه تحديات مناخية ومجالية متزايدة، بالنظر إلى أن 53 في المائة من التساقطات المطرية تتركز في 7 في المائة فقط من مساحة المملكة، فضلاً عن التفاوت في توزيع الموارد المائية والاستغلال المفرط للفرشات الجوفية ببعض المناطق، وهو ما يجعل العدالة المجالية في توزيع المياه إحدى الأولويات الأساسية للمرحلة المقبلة.

وفي إطار تسريع وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية المائية، كشف المسؤول الحكومي عن مواصلة إنجاز 17 سداً كبيراً بسعة تخزينية إجمالية تبلغ 5.4 مليارات متر مكعب، إلى جانب ستة سدود متوسطة توجد في طور الإنجاز، مع برمجة ثلاثة سدود متوسطة جديدة، فضلاً عن إطلاق مشاريع 12 سداً إضافياً بطاقة تخزينية تناهز 4.9 مليارات متر مكعب.

وتستهدف هذه المشاريع رفع القدرة التخزينية الإجمالية للسدود بالمملكة إلى 27 مليار متر مكعب في أفق سنة 2031، بما يعزز قدرة المغرب على مواجهة فترات الجفاف والتقلبات المناخية وتأمين حاجيات السكان والقطاعات الاقتصادية.

وعلى مستوى الربط بين الأحواض المائية، أكد بركة إنجاز الشطر الأول من مشروع الربط بين حوضي سبو وأبي رقراق، باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية الرامية إلى تحقيق التكامل بين الموارد المائية الوطنية.

كما أعلن عن إطلاق الشطر الثاني، الذي سيربط حوض أبي رقراق بحوض أم الربيع ابتداءً من السنة المقبلة، بهدف نقل حوالي 8 ملايين متر مكعب من المياه، بما سيساهم في تعزيز التزويد بالماء الصالح للشرب ودعم الأمن الغذائي.

وفي تحول لافت في سياسة تدبير الموارد المائية، كشف الوزير عن ارتفاع القدرة الإنتاجية لمحطات تحلية مياه البحر من 46 مليون متر مكعب سنة 2021 إلى 447 مليون متر مكعب حالياً.

وأشار إلى أن مشاريع جديدة توجد ضمن البرنامج الحكومي، من بينها محطتا الناظور والدريوش بطاقة إجمالية تبلغ 300 مليون متر مكعب سنوياً، ومحطة طنجة بطاقة 150 مليون متر مكعب.

كما يرتقب إطلاق مشاريع أخرى خلال السنة المقبلة، تشمل محطات بتزنيت وطنطان وكلميم والرباط، إلى جانب توسيع محطة اشتوكة آيت باها.

وتطمح المملكة، وفق المعطيات التي قدمها الوزير، إلى رفع القدرة الإنتاجية الإجمالية لتحلية مياه البحر إلى حوالي 1.8 مليار متر مكعب في أفق 2031، بما سيمكن من تأمين 60 في المائة من احتياجات المغرب من الماء الصالح للشرب.

ولم تعد الاستراتيجية الجديدة مقتصرة على بناء السدود ومحطات التحلية، بل امتدت لتشمل إدماج التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والرقمنة في تدبير الموارد المائية، بهدف تحسين عمليات الرصد والتوقع وترشيد الاستهلاك وضمان الاستغلال الأمثل للإمكانات المتاحة.

كما تشمل التدابير توسيع المساحات المسقية بنظام الري بالتنقيط لتتجاوز مليون هكتار، وتحسين مردودية شبكات توزيع مياه الري والماء الصالح للشرب، فضلاً عن توسيع استعمال المياه العادمة المعالجة وإعادة توظيفها، وحماية الفرشات المائية الجوفية من الاستنزاف.

وفي ما يتعلق بمخاطر الفيضانات، أعلن وزير التجهيز والماء والغابات عن اعتماد خطة استباقية ترتكز على خمس دعائم، تشمل تحسين معرفة المناطق المهددة بالفيضانات من خلال إعداد أطلس جديد، وتعزيز المنشآت المائية والحواجز الوقائية، وتطوير أنظمة الرصد والتوقع والإنذار المبكر.

وكشف في هذا السياق عن إنجاز 27 مشروعاً للحماية من الفيضانات بعدد من أقاليم المملكة، من بينها العرائش وطنجة وتطوان والقنيطرة وسيدي قاسم ومكناس ومراكش وزاكورة وتارودانت والعيون والداخلة؟، إلى جانب 21 مشروعاً آخر يوجد في طور الإنجاز.

كما أكد العمل على تطوير أنظمة المراقبة الآنية للتساقطات المطرية، ووضع آليات متقدمة للإنذار المبكر، بما يساهم في حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم والحد من الخسائر الناجمة عن التقلبات المناخية.

وتكشف الأرقام والمشاريع المعلن عنها عن توجه مغربي يروم الانتقال من التدبير الظرفي لأزمات الماء إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للأمن المائي، تجمع بين تخزين الموارد، ونقل المياه بين الأحواض، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة.

غير أن نجاح هذا الورش الاستراتيجي لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات وعدد السدود والمحطات المنجزة، بل بمدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين، وضمان عدالة توزيع المياه بين المدن والقرى، وحماية الفلاحين والأنشطة الاقتصادية من تداعيات الإجهاد المائي.

إن الرهان الحقيقي أمام المغرب اليوم هو تحويل هذه المشاريع الكبرى إلى أمن مائي ملموس، يضمن حق المواطنين في الماء، ويعزز التنمية المستدامة، ويحصّن المملكة في مواجهة التغيرات المناخية والتحديات المستقبلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *