ليلى وعَيْنَا الإمبراطور الزرقاوان

الوطن 24/ الدكتور أحمد جوهري
وأنا أتابع الاستقبال الحار الذي تلقاه الرئيس الفرنسي ماكرون في شوارع بيروت، وعناقه الحار لإحدى المواطنات اللبنانيات المشتكيات، تذكرت الشاعر الروماني القديم فرجيليوس والصورة البديعة التي رسمها في ملحمته الشهيرة “الإنيادة” لشخصية كاميليا، تلك المرأة الأمازونة، المحاربة العنيدة التي تمتاز بالرشاقة والخفة والسرعة الخارقة في استعمال القوس والنبال في سحق أعدائها. لكنها، مع كل هذه الصفات التي جاوزت فيها بنات جنسها، لم تستطع أن تتجاوز نقطة ضعف الأنثى الأزلية وهي “الانخداع أمام كل شيء براق”، إذ في عز انتصارها على عدوها، استهواها لباس المحارب (الكاهن) الطروادي بردائه الحربي المطرز، وسترة درعه الجميلة، وسلهامه الأرجواني الرفيع، وهو-كما قال فرجيليوس- “يحمل على كتفه قوسا ذهبية، وثوبه مشدود بعقدة ذهبية، وعلى رأسه خوذة من نفس المعدن البراق.” فهاجمت كاميليا فريستها مأخوذة بفتنة الرغبة المحمومة في غنيمة الذهب البراق، وسقطت في كمين عدوها أرونس (حليف إينياس بطل الإنيادة) الذي أصابها برمحه.

من يشاهد اللهفة التي استقبل بها بعض اللبنانيين إمبراطور فرنسا الجديد لا يمكن أن يشك في السحر البراق الذي مارسته الإمبراطورية الاستعمارية، ولا تزال، على مستعمراتها بآسيا وإفريقيا وغيرها. أين يكمن ذلك السحر؟ سؤال مهم جدا للمثقف والسياسي المنتمي لهذه المستعمرات القديمة، وحتى لأديبها إن أراد أن يكتب قصيدة أو ملحمة أو رواية جنوبية شرقية خالصة. هل يكمن السحر في بريق عيني الإمبراطور الأزرق بلون البحر الذي يتبدل أمام الفريسة فيصبح فاتحا بلون فيروز الحجر الكريم ؟
يشهد التاريخ فعلا على فتوحات كثيرة للدبلوماسية الاستعمارية البراقة في استمالة قلوب الدول المستضعفة، وقد منحنا المجاز اللغوي السياسي عدة أوصاف لذلك البريق منها القفاز الحريري، والعصا والجزرة، والدبلوماسية الناعمة وغيرها. لكن عندي أن السحر الإمبراطوري يتجاوز هذا البريق الظاهر إلى ما هو أخفى، إلى أسرار مشفرة في تميمة قديمة جدا صاغ رموزها بدهاء عظيم أعضاء مجلس شيوخ روما على مدى عدة قرون، ومنذ ما قبل ميلاد المسيح، لاستمالة حكام مستعمراتهم الإفريقية والآسيوية والأوروبية وشعوبها، والتحكم في رقابها وخيراتها دون حاجة إلى إبقاء جنود الإمبراطورية الرومانية فيها. ولقد استطاعت هذه الإمبراطورية فعلا أن تمارس سحر تميمتها السرية قرونا طويلة على شعوب أقوى من الرومان وأشد شراسة. ويحدثنا التاريخ عن أرياراط Ariarath (ملك قبادوقيا بالأناضول(تركيا)) الذي قدم القرابين للآلهة شكرا لحصوله على لقب حليف للإمبراطورية الرومانية. لكن التاريخ أيضا يحدثنا عن محاولات فك طلاسم تلك التميمة الإمبراطورية وإبطال سحرها، منها محاولاتان فاشلتان لحنبعل القرطاجي، ومثريدات القبادوقي، ومحاولتان نجحتا في إبطال سحرها في الجهة الشرقية على يد قائدي جيوش المسلمين المثنى بن حارثة وخالد بن الوليد تحت حكم عمر بن الخطاب(ض). فهل اندثرت التميمة الإمبراطورية تماما بعد إبطال سحرها؟
لا، أبدا. فقد ظلت ملقاة على رصيف التاريخ، ولم تنتبه إليها فيما بعد لا الأخت اللاتينية الصغرى (إسبانيا) حين حاولت بناء إمبراطوريتها في أمريكا، ولا الشابة المغامِرة البرتغالية التي ظلت تعشق التنزه في السواحل والواحات والبراري الإفريقية والاستيلاء على مرافئها، فخسرت إسبانيا البيرو والشيلي وغيرها، وسام المغاربة البرتغاليين سوء الهزيمة في وادي المخازن. وجاءت بعد ذلك الأخت اللاتينية الكبرى صانعة الشمبانيا الشهيرة، وبعد مائة عام من الحروب ضد غريمتها فكتوريا في سواحل بحر المانش، عثرت على التميمة الرومانية الماكرة، وقررت أن تفك ألغازها، لكن ليس وحدها، بل مع غريمتها الفكتورية. عجبا ! ومن شدة غبطة فكتوريا البريطانية بالصلح والمشاريع الجديدة المشتركة مع الأخت اللاتينية الكبرى قضت عطلتها الطويلة الشهيرة في بلاطها الفرنسي. ثم ما حدث بعد ذلك مجرد تفاصيل معروفة لا حاجة للإطناب فيها: من تأسيس الشركات الإمبراطورية الشرقية، واحتلال الهند وآسيا، وسايس بيكو واستعمار إفريقيا، ووعد بلفور، وصعود الإمبراطورية الأمريكية الجديدة، إلى حديث ماكرون عن مصرف لبنان المركزي أول أمس: أوامر آلهة صناعية وتجارية ومالية حديثة (على حد تعبير توينبي)، وبكاء الدول المستضعفة واستجداؤها لشفقتها.
السؤال المهم الآن، هو عن تلك التميمة السحرية التي تجعل ليلى المستعمرات العربية تتحرق لهفة على لون الفيروز في عيني الإمبراطور الجديد، وتستجديه ليمنحها الشوكولاتة؟
كانت التميمة مكتوبة باللغة اللاتينية القديمة ومتناثرة في عدة مخطوطات رومانية تاريخية قديمة، ولحسن حظ التاريخ والبشرية وجد في القرن الثامن عشر عالم وفقيه قانوني وسياسي بارع في المزج بين الخيال والتشريع، هو أول من لبس ثوبا قصصيا فارسيا في باريس(Lettres persanes) ليفهم حضارة الرومان والغرب، اسمه منتسكيوه. ومن جميل المصادفات أنه تفرغ بضعة أيام لقراءة مخطوطات وكتب مؤرخي الإمبراطورية الرومانية القدماء، وعلق عليها بحواش وهوامش باللغة الفرنسية. تلك الهوامش هي التي جمعها سنة 1734 في كتاب من 23 فصلا كلها شرح لأسرار تميمة الإمبراطورية الرومانية، وخاصة الفصل السادس المعنون ب: “السياسة التي نهجها الرومان لاستعباد سائر الشعوب”. وقد شاء القدر أن يوجد في المغرب الأقصى مفكر ذكي اسمه عبد الله العروي الذي ترجم كتاب منتسكيوه المذكور بلغة عربية واضحة وشفافة، وفكَّ ألغاز تلك التميمة الرومانية بهوامش مقارنة ساطعة. وعلى الرغم من أن ترجمته لا تخلو من أخطاء، إذ يرتكب أحيانا أخطاء لغوية بسيطة تبين غلبة اللسان العجمي على عربيته (مثل تأنيثه لكلمة “رأس”، واستعماله للكاف الفرنسية comme دون داع في قوله:” لنتصور إيطاليا كجسم(الصواب جسما) فوقه رأس ضخمة هائلة تدير شؤون الدنيا برأي كل فرد فيها (الصواب رأس ضخم هائل يدير”. مم هامش ص 91)، كما يرتكب أخطاء كبرى في ترجمته للنصوص الإبداعية ( انظر دراستنا النقدية لترجمته لقصة قطة تحت المطر لإرنست همنكواي)، على الرغم من ذلك فإن هذه الترجمة وحدها تكفيه ليكون، في نظري، أفضل مترجم عرفه العالم العربي المعاصر، لسبب بسيط هو أن سائر المترجمين ينقلون لنا كتبا أعجمية، أما هو فقد ترجم لنا تميمة سحرية رومانية في ثوبها الفرنسي، سيؤدي فهمها الجيد إلى فهم عمق إشكاليتنا التاريخية الأساسية: أي سؤالنا التاريخي الجوهري الذي تتفرع عنه جميع أسئلة زمننا الجزئية الأخرى؛ إنه السؤال عن الذات التاريخية لليلى المستعمرات وعلاقتها بعيني الإمبراطور الزرقاوين وعن مصيرها ضمن خطط نزواته الغرامية المتقلبة، وهو السؤال الذي ليست أسئلة العلمانية والإسلام السياسي، والهوية اللغوية، والمازيغية… سوى تفريعات على هامشه.
شكرا لمنتسكيوه، ولعبد الله العروي، وأرجو أن أكون قد شوقت القراء النبهاء للاطلاع على تلك التميمة السحرية الرومانية في نسختها الفرنسية أو العربية، لكن تذكروا وأنتم تقرأونها أن الفهم الجيد لأسرارها يتوقف ضرورة على اعتماد تلك الآلية الذهنية النشيطة التي تسمى “المقارنة”، وهي الآلية التي لا تتأسس عليها العلوم الاجتماعية والسياسية والأنثروبولجية فحسب، كما يذهب العروي، بل هي عماد النشاط العقلي الذكي منذ تشكُّل ما يسمى بالرشوم المقارِنة ((schèmes comparatifs عند الطفل.
عنوان التميمة الرومانية المترجمة بالفرنسية هو: Considérations sur les causes de la grandeur des Romains et de leur décadence. (Montesquieu 1734
وعنوان ترجمتها العربية هو: تأملات في تاريخ الرومان: أسباب النهوض والانحطاط. ترجمة عبد الله العروي، عن طبعة 1748، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011.
