رحلة مع اللوكيميا

الوطن 24/ بقلم: الشاعرة والكاتبة المغربية الأندلسية – نادية بوشلوش عمران
في المستشفى، وانت تعانق الأمل المتسرب، عبر النافدة في شعاع الشمس، تغمض عينيك، وتحاول الهرب بحلم من نفسك أنت، وقد مضيت هنا وقتا كبيرا بين سرير المستشفى، لقد صرت تحفظ المستشفى ركنا بركن، وقسما بقسم، حتى الأطباء والممرضين صاروا يعرفونك وتعرفهم، وتحفظ أسماؤهم عن ظهر قلب
كنزة وجميلة ومحمد وعادل وعبد الله
أجل
أجل الكل أصبح صديقا لك، وهنا في ممرات المستشفى العتيقة، حفظت حتى وجوه المرضى، وقد أصبحت صديقا للكل
صديقا
نعم صديقا للكل، صديق المرض، وصديق المرضى وصديق الأطباء والممرضين، جميل جدا، ان تعلن تثقتك بهم، وجميل جدا، أن تحاورهم بفلسفتك الرشيدة أحيانا وحتى بتلك التفاهات، منك، لكنهم بإهتمام يسمعون لك، وحتى في لحظات ضعفك، يكونون بجانبك، بلحظات الهستيريا وفي فصول بكائك الطويلة،
مطر
نعم مطر أصبحت دموعك، بدون جفاف ولكنها قد جفت، ولازالت تبحث لها عن غمام وعن فصل طويل، فصل الخوف
نعم فصل الخوف، الذي لا يحتد، بالرغم من ذاك الأمل الخفي الذي يراودك في بعض اللحظات المسروقة من زمن الفرح ومن زمن منسي، لعل ذكرى من كتاب ومن أيام قد مرت، تسلط الضوء على وجهك، فتحيا على هذا الأمل، أمل تتشتبت به وتريد الوصول إليه بكل ما تبقى منك من قوة.
تصارع، تقاوم، تحارب، وتتعود على الإبتسام
صلاة
نعم صلاة، وأنت في قمة المرض، دائما الله بجانبك وبجانبك قرآن كريم تتلوا بعضا من آياته، للتذكر ولعل صلواتك ودعائك يصل لله، فتشفى….
الأهل
نعم الأهل، يعودونك، وبقربك أمك، تخفي الوجع والبكاء لتظهر لك وجها مبتسما، تحضنك وقلبها يخاف أن يفضح قلقها وسر خوفها عليك، فليس هناك من سيخب لك الهير غير أمك تم أمك وتم أمك….
حبيبتك…
نعم حبيبتك، التي آتت بالورد وبالحب الذي يعتريها، لتقبلك وهي تبتسم لك مداعبة ما تبقى من شعرك الذي تساقط جله بالعلاج الكيماوي الطويل
شعرك الذي تساقط ووقد أصبحت أصلع تماما وتغطي رأسك بالطاقية أحيانا وأحيانا أخرى بالشعر المستعار: بيروكا
وقد نسيت أحيانا طعم وحلاوة الحياة ولأنك تمر بوقت طويل من علاج كيماوي قوي وجسدك الضعيف يقاومه لساعات لايام ولربما لسنين
نعم
علاج كيماوي
نعم علاج كيماوي، للوكيميا في الدم، ذاك الداء الخبيث السرطاني الذي ألم بك في فرحة الحياة وقلب فصل الربيع، داء قلب تاريخ حياتك من فرحة وإستقرار لألم ووجع لا يندب، وحياة أليمة بائسة، ما بين التنقل المستشفى والمنزل أصبحت تقيم
لا
فعلا لا، لا بل أصبحت تقيم في المستشفى، وكأنك في فندق، ولكن أكل المستشفيات نجس، في نظرك لا يروق لك، فعلا، أنا يا سيدي قد جربته عدة مرات، لا طعم له، حتى القهوة لا مذاق لها، و أكيد بأن أمك قد تعبت كل يوم و هي تهيأ لك أكل بيتي له مذاق خاص تحبه
شهوة
نعم شهوة، هنا في المستشفى تكثر شهواتك، فقد تأتيك شهوتك على قطعة من الشكولاتة اللذيذة ل ماروخا، وقد تحب فنجان من القهوة من المقهى، وقد تطلب عسل نحل، وقد تضيق بك نفسك فلا تشتهي شيأ
لما ؟؟؟لا تشتهي
فعلا
لأن العلاج الكيماوي، يفقدك التوازن والإحساس في شخصيتك، يدخلك لدوامات عاتية ملئية بالحروب النفسية وتفكر في الموت
الموت
نعم الموت، تقترب منك وتفكر بأن آخر شيء ولربما أول شيء قد يحصل لك هو الموت، وخصوصا، أنك تمر بأخبث الأمراض، السرطان، لوكيميا في الدم
لوكيميا
لوكيميا تدخل للأوعية الدموية وتحاربك من صفحات الدم البيضاء
نعم، لوكيميا، تفقد وزنك وتصفر عينيك ويصفر لون جلدك، تصبح وكأنك شبح، وكيت آتي من القبور ومن عواصم الموت، ومن البرزخ،
تصفر
تدخلك الوساوس القهريةو تحاول عبتا التشبت بالحياة وبلحظات من الشاعرية الجميلة من جنون الحياة …
نعم
تصفر، تصبح ورقة خريف بالية، تكاد تسقط من أعلى شجرة، وهنا تدخل لأذانك موسيقى فافيلدي في الفصول الأربعة، تجعلك تتمايل وترقص وعلى ضباب الزجاج لنافدة المستشفى، ترسم فراشة طائرة حالمة، مرفرة في النور للنور
تنظر للون جلدك وأنت أمام المرايا المهترئة، تحاول الإبتسام، بالرغم من أنفك، وقد أخبرك الطبيب في ذات جلسة كيماوية بأن ما تبقى لك من وقت الحياة إلا ستة أشهر
ستة أشهر
نعم، ستة أشهر، لكي تعيش، لكي تتشبت بالحياة وبكل حذافيرها وجماليتها، تعود إليك الشهية لكي تلتهم كل شيء، بالرغم من القيأ المقزز الذي يأخدك يوميا، وقد تمر ساعات، تتقيأ في المرحاض، تذبل
نعم
تذبل، وقد كنت يوما وردة وإنسان جذاب في جسدك وفي شخصيتك، جذاب يحبك الكل ويحاولون التقرب منك، لقد كنت شخصية المدينة وحاضرها ومستقبلها، وشخصية الجامعة وشخصية الفيسبوك في العالم الأزرق، والآن مازال لديكك متابعين، على صفحتك في السوشيل ميديا، يتابعونك لأنهم عرفوا بأنك من أصحتب الوكيميا وبأن لديك سرطان في الدم، يتعاطفون معك
نعم
يتعاطفون معك ويدعون لك، لعل الدعاء تصل أبوابه للسماء ولعل الله يشفيك
هنا
نعم هنا في المستشفى، تدور الأيام، وتدور معها، أنت، تزداد نحافة، تزداد إصفرارا وبالرغم من ذلك في الشمس لازالت تدخل من قلب النافدة إلى سرسريك، تلامس يدياك
في يوم
نعم في يوم، تهدأ جراحك، وتقفل عينيك وتسترخي مبستسما، والكل من حولك
أمك
حبيبتك
أصدقائك
أطباء وممرضين
تسترخي، وتفيض نفسك بعد معانات قاسية مع مرض، وقد مرت فقط ثلاثة أشهر على الموعد مع الموت
الموت
نعم الموت، إنتصر
تبتسم راضيا مطمئنا، فقد خرجت من هذا العذاب ومن هذا المرض للراحة الأبدية
تبكي أمك و تحضنك، وتبكي حبيبتك و يحزن الكل لك، ما يسمع فقط سلاما سلاما، وتسمع الآية القرائنية :
(( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ))
وتنتهي من رحلة العذاب ومن رحلة اللوكيميا. لا تخف سيتذكرونك بكامل الحب إلى حين.
