ذكريات على رصيف زقاق سينما النهضة الصورة وأحلام جيل (2/2) (تتمة) (استوديو الشباب)

الوطن24/ بقلم: الدكتور أحمد جوهري
… وهكذا في الوقت الذي كانت فيه المطربة اليافعة نعيمة سميح تعلن بخامة بحتها الفريدة عن تفتح الورد وفصل الربيع وهي تغني على أمواج الإذاعة الوطنية أغنيتها “تْفتَّحْ الورد، وغنَّى الطير”، كان عبد الهادي بلخياط يعلن من بوق سينما النهضة عبر أغنية “الصورة ” العاطفية عن تفتح عصر الصورة الجديد(…) ولعل أحد أبرز مظاهر هذا العصر الجديد هو تلك الاستوديوهات الخاصة بالتصوير الفوتوغرافي التي غزت شوارع مدن المملكة. ولم تسلم منها مدينة سوكيل ولا زقاق النهضة الذي عرف افتتاح أول استوديو فوتوغرافي في بداية السبعينات يسمى استوديو الشباب.
ذلك الاستوديو العجيب الذي انضاف إلى سينما النهضة ليُحدث نقلة كبيرة في نظرتنا، نحن أطفال زقاق النهضة، إلى أنفسنا! إذ أصبح باستطاعتنا أول مرة التفرج بعين الإعجاب، وأحيانا بذهول، على صورتنا الشخصية بالأبيض والأسود في ورقة من الكرتون المقوى. ولم نكن ندخر جهدا للتفنن في ابتكار مشاهد تصويرية حالمة بداخل ذلك الاستوديو، فنقلد فيها الوقفة الواثقة لأبطال الأفلام ودهاء نظراتهم وحركاتهم. وكان يساعدنا على ذلك الأكسسوار الذي يوفره لنا مالك الاستوديو، المصور الفنان والرجل البشوش بلحاج، من مسدسات وقبعات أبطال الوستيرن، ومجسَّم لنمر خشبي. وخلفنا كان الحائط الذي تزينه لوحة تشبه منظر قصر البديع المراكشي يكمل ديكور المشهد التصويري.
حقا إن الحلم ملكة عجيبة أودعها الخالق عز وجل في الإنسان منذ طفولته المبكرة، مثلما أودع فيه القدرة على الخيال. لكن مع ظهور أول استوديو للتصوير الفوتوغرافي بزقاق النهضة، أصبح بإمكاننا أن نرى أحلامنا الداخلية خارجة عنا، ونتفرج على بطولتنا المتخيَّلة فوق قطع مستطيلة من الورق المقوى. وتلك لَعَمري نقلةٌ وجودية وشعورية كبيرة كان لها أثر في تحول الفرد والمجتمع المغربيين: أنْ يصبح المرء قادرا على أن يتأمل ذاته المصغرة خارج نفسه، ويتفحص ملامحه وحلمه الداخلي، ويعي بطولته المتخيلة بكامل الموضوعية!
لقد كان استوديو الشباب عنوانا لكل تلك الاستوديوهات الفوتوغرافية التي انتشرت في مدن المغرب مع مطلع الاستقلال، فساهمت بذلك الصورة الفوتوغرافية، إلى جانب الصورة المتحركة السينمائية والمتلفزة، في تطور النظرة إلى الذات الفردية والجماعية، وفي زيادة الوعي الموضوعي بالشخصية، كما ساهمت في نمو حجم الحلم والخيال البطولي للفرد والمجتمع. فهل كان لهذه الطفرة السيميائية الجديدة للصورة الثابتة والمتحركة دور في تكريس صورة البطل والزعيم في مرحلة ما بعد الاستقلال (من البطل السينمائي والرياضي إلى البطل السياسي وبطل الحي والحارة)؟ وهل ساهمت تلك الطفرة التصويرية والخيالية البطولية في تزايد طموح الشباب، ونمو نزعة الاحتجاج الثورية آنذاك في العالم العربي وسائر أنحاء العالم؟
سؤالان مهمان لولا أن فيهما وجع التفكير. والمقام هنا مقام سرد وجمال وحنين، لا دراسة وبحث وأنين. لذلك فلنعد إلى ذلك الغروب التشريني الهارب بين أدغال الغابة الكثيفة لزمن الصبا، زمن بداية السبعينات، ولنجلس قليلا بجوار ذلك الطفل الصغير على رصيف سينما النهضة لنستمتع معه بالحنجرة الذهبية وهي تنفث سحر الغزل الرقيق الصافي من داخل نافذة السينما العليا، وتبث أشواقه في أزقة سوكيل مرددةً أحد المقاطع الجميلة والموحية من أغنية “الصورة” بنبرات العاشق الحائر والمنبهر:
“جمالو فاق كل جمال
واصل منتهى الكمال
مُحال الصورة توصفو
ولا تمثال ينصفو
عند اللي بحالي يعرفو
عاقد عليه كل آمال.”
يا لها من مكانة سامية مثالية تلك التي يُجهد الشاعر نفسه ليضع فيها صورة المحبوبة دون أن يتمكن من بلوغها! وما أروعه من زجل! بكلماته السهلة المقنعة، وإشاراته الخفيفة اللامعة، وجرْس أصواته العذبة الممتعة، وصوره المجازية المنشودة، وآهات قوافيه الممدودة!
السؤال الآن: هل كان الشاعر أحمد الطيب العلج، وهو يبذل ذلك الجهد الكبير ليرسم صفات المحبوبة المثالية السامية في هذا المقطع الزجلي، هل كان خاضعا لتلك النزعة الحالمة التي أحدثتها الصورة في المجتمع المغربي خلال العقود الأولى بُعيْدَ الاستقلال، أعني نزعة الحلم بشيء فائق الجمال، والطموح إلى البطولة والزعامة والكمال في كل شيء، من طريقة العيش واللباس والفن والرياضة إلى الشعر والحب والسياسة؟؟؟


