الأقحوانة الجريحة (2) (إطلالة على تاريخ مدينة عبر ثقب الخيال والحلم) (الجزء2)

الوطن24/ قصة: الدكتور أحمد جوهري

الحفل الوطني العجيب:

أصداء ذلك النشيد الوطني الحماسي لا تزال تصدح من الصندوق العجيب في مقر الحفل البهيج غير بعيد عن ضريح الولي الصالح سيدي عيسى:

” إيهِ أُمَّةَ المغربِ … إيهِ دولةَ المغربِ

يا بني المغربِ سيروا لا تكونوا غافلين

جَدِّدوا عهداً عظيماً لجدودٍ غابرين

أنقذوها من حياةِ الجهلِ والفقر.”

الضيوف ملفوفون في زيهم الوطني الأنيق، الجلابيب الوزانية البيضاء، والطرابيش المستديرة الحمراء بأهدابها المخملية السوداء تكلل رؤوسهم ووجوههم المبتهجة، وكؤوس الشاي الذهبية تسافر بين الأيدي وسط قاعة واسعة غارقة في الفرح وروائح الأبخرة العطرة المختلطة بأريج النعناع وماء الزهر. الشفاه مبتسمة، والأحاديث الثنائية والجماعية دافئة، وأحيانا حماسية. موضوع واحد يسيطر على كل حوار ومناقشة: الاستقلال والحرية وما يرتبط به من أمل في المستقبل، وفي التقدم وبناء الدولة المغربية الحديثة. والكل يترقب حضور شخصيات وطنية بارزة من العاصمة الرباط.. إنه يوم عيد في سوكيل، لذلك كان لنبرات ذلك النشيد الوطني الحماسي أصداء عميقة جدا في مشاعر جميع المحتفلين… وعندما بلغ النشيد إلى ذلك المقطع الذي يقول:

” دولةَ المغربِ دُومِي نحن أهلُكِ

سوف تُحييك دِمانا

وبالروح نفديك.”

حدث ما لم يكن في الحسبان !

من الصعب وصف ما وقع بكامل الدقة.. بدا الأمر كما لو أن المساء أخذ يتحرك مشوَّشا يملأه الغموض، مثل ريح حائرة، لها صرير الخوف، ونذير العبث والفاجعة. ثم رأى الناس مناجل حمراء تلمع وآلات حادة ترتفع وسط المحتفلين، ثم في لمح البصر قرقعت الأصوات الرهيبة، واصطدم الحديد بالعظام واللحم، واختلطت رائحة البخور والنعناع بنسمة الغضب والدم المقززة، والتبست أحاسيس الفرح بمشاعر الدهشة والرهبة، وخيم شبح الموت الشاحب على بلاطة القاعة المعتمة، وانقلبت الحكاية البيضاء في ثوان إلى مأساة سوداء.

ماذا حدث؟.. ولماذا هذا التقلب المفاجئ؟

لا يوجد تفسير واحد لما جرى في تلك اللحظة الطائشة كشظية نار قذفها مجمر تاريخ المغرب الحديث فوق جسد مدينة سوكيل الجريح، بل تفاسير مختلفة. لكن، مهما تعددت التفاسير، فقد بدا الحدث في الحقيقة كنوع من الجنون.. ليس الجنون الأزرق الباهت، بل الجنون الأحمر الفائر.

رائحة الدنيا النتنة

بعد أيام غامضة مؤلمة لم يستوعب الناس فيها ما حدث. أيام جفَّفتْ شمسُها الشاحبة ورياحُها المريضة الدماءَ في الخارج، لكنها لم تُضَمِّد جراحَ القلوب وتَوَرُّمَ الذاكرة، تعالت الأصوات المتشاجرة:

قال أحد أنصار الحزب الأول غاضبا عن أتباع الحزب الثاني:

– إنهم خونة .. لا فرق بينهم وبين عملاء الاستعمار.. كل من يشُقُّ وحدة َصفِّ الشعب خائن وعميل…”

وردَّ آخر من أنصار الحزب الثاني حانقا على أنصار الحزب الأول:

– نحن ديموقراطيون وأوفياء للوطن. وأنتم الوجه الثاني للاستعمار.. فيكم تتجلى أبشع صوره: الدكتاتورية، التحكم، والقمع…”

وفي بيتها الذي من ألواح وقصدير وطوب، جلست القابلة العجوز التي أشرفت على ولادة جل أطفال زقاق النهضة وأحياء القشلة والعزيب. كانت مصدومة وعيناها تغالبان دمعا جافا، قالت:

– أحيانا تفوح من الدنيا رائحة نتنة كالمشيمة التي تخرج مع الجنين، وعفنة كالجيفة التي يصير إليها الإنسان في قبره.

وتنهدت تنهيدة عميقة، ثم أضافت:

– لا يسلم جسم سليم من أعراض، ولا يخلو بيت من مرحاض … يا إلهي ماذا أصاب العباد؟ هل هو طاعون الجنون الأحمر؟!

ثم عطست، وغمغمت باشمئزاز .. كانت تُحَدِّث نفسَها.. ثم أطرقت عينيها إلى الأرض ولزمت الصمت.

لكن النشيد الوطني البهيج الذي تتقطر منه زرقة فجر الاستقلال كأزهار النيلوفر لم يصمت، واستمرت مزاميره تصدح وطبوله تقرع وتتعالى أصواتها من ذلك الجهاز الصغير العجيب في البيوت، وامتد إلى منيطوفون مقهى كراند أوطيل…

 (يتبع)