**الاستثناء الحكومي المغربي والمتقاعدون… الجدار القصير**

عبد الفتاح المنطري

في الوقت الذي باعت فيه الحكومة عقارات الدولة بما يفوق 120 مليار درهم، في ظروف تفتقر إلى الشفافية، حسب ما أكده الخبير الاقتصادي ورئيس حركة «ضمير» الأستاذ محمد بنموسى، وتفاقمت فيه مظاهر تضارب المصالح، وضُخت مداخيل ضريبية استثنائية في خزينة الدولة ساهم فيها المتقاعدون بدورهم بمختلف أشكال الضرائب، ناهيك عن الإنفاق السخي والإمكانات الهائلة التي تُرصد لصناعة كرة القدم، يتم، في هذا المنعطف المصيري بالنسبة لمتقاعدي الطبقتين الدنيا والمتوسطة، إقصاء هذه الفئات باعتبارها «الجدار القصير» من أي عدل أو إنصاف ضمن بنود قانون المالية لسنة 2026.

ويُربط هذا الإقصاء بمنظومة ما يُسمى «إصلاح صناديق التقاعد»، في ما يبدو وكأنه دعوة غير معلنة للمتقاعدين إلى انتظار المصير المحتوم في نهاية العمر، دون ضمانات حقيقية للعيش الكريم.

وفي الوقت الذي تعتمد فيه حكومات دول تحترم مواطنيها أنظمة مالية تسمح بالرفع من المعاشات، كلما تمّت الزيادة في أجور الموظفين والمستخدمين أو عند وقوع أزمات تضخم، تواصل الحكومة المغربية إدارة ظهرها لأزمة متقاعدي الطبقتين الدنيا والمتوسطة، مقابل الاعتناء بفئة محدودة جداً من أصحاب المعاشات المرتفعة، عبر آلية التخفيض الضريبي التي وفّرت لهم زيادات شهرية مهمة.

وأمام هذا الواقع، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح:
أين هو نظام السلم المتحرك للمعاشات؟

لقد سبق للشبكة المغربية لهيئات المتقاعدين أن طالبت بتبني نظام السلم المتحرك للمعاشات لمواكبة الارتفاع المستمر في الأسعار وغلاء المعيشة، مؤكدة ضرورة الرفع من المعاشات بما لا يقل عن 2000 درهم لتعزيز القدرة الشرائية. كما خلصت، من خلال تحليل دقيق للوضعية الراهنة، إلى أن إعفاء المعاشات من الضريبة على الدخل إجراء غير كافٍ، واصفة القرار الحكومي بـ«الخدعة الواضحة والالتفاف الممنهج» على المطالب الحقيقية للمتقاعدين، خاصة أن أكثر من 90 في المائة من المعاشات لا تخضع أصلاً للضريبة.

ومن بين المطالب الأخرى التي طرحتها اللجنة المنبثقة عن الشبكة، رفع المعاشات لتوازي على الأقل الحد الأدنى للأجور، ومراجعة القوانين التي تمنع زيادتها بالتزامن مع الزيادات التي تطال أجور الموظفين، إضافة إلى تمكين الأرامل من الاستفادة الكاملة من معاش الزوج، والرفع من نسبة التعويض عن التطبيب والأدوية والتغطية الصحية إلى 100 في المائة.

كما دعت اللجنة إلى إقرار تمثيلية حقيقية للمتقاعدين داخل المجالس الإدارية لصناديق التقاعد، وتوفير امتيازات اجتماعية تفضيلية تشمل النقل والترفيه والسفر والسكن بنسبة لا تقل عن 50 في المائة، فضلاً عن تنفيذ الاتفاقيات السابقة، وعلى رأسها اتفاق 26 أبريل 2011، وتسوية جميع الملفات العالقة الخاصة بالفئات المشتركة والعامة.

وفي ختام بيانها، دعت اللجنة الحكومة والجهات المعنية إلى وضع حد لكل أشكال الإقصاء والتهميش التي تطال المتقاعدين وذوي الحقوق، مؤكدة أن تحقيق العدالة الاجتماعية لا يكتمل دون إنصاف هذه الفئة، التي تعاني من تآكل القدرة الشرائية والتهميش منذ أكثر من عشرين سنة مالية.

إن التقاعد ليس نهاية المطاف، بل مرحلة جديدة تستحق العيش بكرامة، وخبرة المتقاعدين تظل رصيداً وطنياً لا يُقدّر بثمن. والاعتناء بهم، مادياً ومعنوياً، ليس إحساناً ظرفياً، بل واجب أخلاقي ومجتمعي يعكس مدى رقي السياسات العمومية واحترام الدولة لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.

كاتب صحفي

تعليق واحد