المغرب بين تغيير التقسيم الترابي الجهوي ومعالجة تحديات السرعتين السياسية والتنموية

حسب ما جاء في تصريح وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، فان هناك توجه رسمي  لإعادة النظر في التقسيم الإداري والترابي للمملكة بما ينسجم مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية والسياسية  ومتطلبات الجهوية المتقدمة، في انتظار الإعلان رسمياً عن الصيغة النهائية أو عدد الجهات المقترحة.

وحسب حمولة ورش الجهوية وما تفرضه من تجاوز للسرعتين واستيعاب الاختلالات، واستيعاب التناقضات، يبقى من المتوقع أن يتجه المغرب نحو تحقيق توازن أكبر بين الجهات من حيث السكان والموارد، تعزيز النجاعة الإدارية وتقريب الخدمات من المواطنين، إضافة إلى ملاءمة التقسيم الترابي مع المشاريع الاقتصادية الكبرى والبنيات التحتية الجديدة، كما يمكن ان يتم الدفع بمستجدات الجهوية المتقدمة قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وهنا ينبغي التمييز بين مسألة إعادة تنظيم إداري جزئي كإحداث عمالات أو أقاليم أو قيادات جديدة، وهو أمر يجري بشكل دوري وقد شهد بالفعل مستجدات خلال سنة 2025. ثم امكانية إعادة رسم الخريطة الجهوية للمملكة من خلال اعادة النظر في  بعض الجهات، وهو قرار استراتيجي ترابي مهم.

يشكل التقسيم الجهوي أحد أهم أدوات تنظيم الدولة الحديثة، إذ لا يقتصر على توزيع المجال الترابي، بل يعكس الرؤية التنموية، والتوازنات السياسية.

فمنذ اعتماد دستور 2011، دخل المغرب مرحلة جديدة مع ورش الجهوية المتقدمة، الذي توج سنة 2015 باعتماد تقسيم جهوي يضم اثنتي عشرة جهة، بهدف تعزيز اللامركزية وتتربة القرار . وقد برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات رسمية وإعلامية تفيد بأن وزارة الداخلية تدرس مراجعة هذا التقسيم بما يتلاءم مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية والمؤسساتية، في انتظار صدور قرار نهائي بشأن الصيغة الجديدة.

ويكتسي هذا الورش أهمية استثنائية لأنه يأتي في سياق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وتنامي النقاش حول فعالية التنمية الجهوية ، وحاجة الدولة إلى إعادة بناء التوازنات المجالية  بما يحقق العدالة المجالية والاجتماعية ويعزز نجاعة العمل المؤسساتي.

أولاً: الخلفيات السياسية للتقسيم الجهوي الجديد

بعد مرور أكثر من عقد على دستور 2011، ومع تقييم تجربة الجهات أمراً ضرورياً،  فقد أبانت الممارسة عن تفاوتات كبيرة بين الجهات من حيث الإمكانات المالية، وجاذبية الاستثمار، والقدرة على تنفيذ المشاريع التنموية.

وتسعى الدولة إلى جعل الجهة فضاءً حقيقياً للتخطيط التنموي، وليس مجرد إطار إداري، مما يتطلب مراجعة الحدود الترابية لبعض الجهات.

عكفت وزارة الداخلية على مواصلة بناء تنظيم ترابي أكثر انسجاماً مع التحولات الاقتصادية الكبرى، خاصة مع المشاريع المرتبطة بمونديال 2030، والمشاريع المهيكلة، والطاقة المتجددة، والربط السككي، مما يفرض إعادة التفكير في التقسيم  الترابي باعتباره مجالاً للتنافسية الاقتصادية.

أظهرت تراكمات التجربة الجهوية أن بعض الجهات أصبحت تستحوذ على الجزء الأكبر من الاستثمار والثروة الوطنية، بينما تعاني جهات أخرى من ضعف الموارد البشرية والاقتصادية، وهو ما يتعارض مع مبدأ العدالة المجالية الذي نص عليه دستور 2011.

إن اعتماد تقسيم جهوي جديد قبل الانتخابات المقبلة، ستكون له آثار مباشرة على المشهد الانتخابي، يمكنه إعادة توزيع الخريطة الانتخابية، وتعديل خريطة الهيأة النخبة طبقا للتقسيم  الجغرافي المستحدث للجهات أو الأقاليم الذي  سيؤثر على توزيع الدوائر الانتخابية، وعدد المقاعد، والكتلة الناخبة، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوى بين الأحزاب ويغير من مقاربات التنافس واليات التواصل والدعاية الانتخابية.

ان التقسيم الجديد يمكنه تغيير مراكز النفوذ السياسي للأحزاب التي اعتادت على بناء مشروعيتها  الانتخابية داخل مجالات ترابية بأساليب روتينية محددة ويصعب معها احداث تغيير الوجوه القديمة، لذلك فإن دمج بعض الجهات أو إعادة توزيع الأقاليم قد يؤدي إلى بروز تحالفات جديدة وتراجع أخرى وتغيير لائحة الفائزين بالانتخابات.

ومن شأن التقسيم الجديد أيضا تعزيز تمثيلية الجهات، وذلك بالسماح بتمثيل أكثر توازناً للمجالات التي ظلت تعاني ضعف الحضور داخل مجلسي البرلمان.

يمكن للتقسيم الجديد ان يؤثر على تواجد الاحزاب، فقد نجد حزب التجمع الوطني للأحرار يتمركز  بالجهات ذات الثقل الاقتصادي، ويسعى إلى الحفاظ على حضوره السياسي بناء على الدور المقاولاتي .

بينما حزب الأصالة والمعاصرة، نجده قد تمركز  في بعض المجالات القروية وشبه الحضرية، ويمكن للتقسيم الجهوي الجديد أن يعيد توزيع النفوذ الترابي للأحزاب.

بينما حزب الاستقلال حافظ على قوته في بعض الجهات التاريخية التي يتمتع فيها بامتداد تنظيمي إضافة إلى تمركزه على مستوى الاقاليم الجنوبية.

 وحزب العدالة والتنمية فهو يتمركز  في الأحياء الشعبية بالمناطق الحضرية الأكثر كثافة، وقد يجد في إعادة رسم الخريطة فرصة لإعادة بناء حضوره السياسي إذا أحسن تدبير تحالفاته المحلية.

يثير أي تعديل للتقسيم الترابي نقاشاً حول العلاقة بين الإصلاح الإداري والرهانات السياسية.

فالمعيار  الإداري للتقسيم يهدف إلى تحسين الحكامة، ورفع فعالية الإدارة، وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، ودعم الاستثمار.

أما المعيار  السياسي يراعي الحدود الترابية التي  قد تؤثر صناعة القرار السياسي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مما يفرض نوع من  التوازنات الانتخابية، وهو ما يفرض اعتماد معايير موضوعية وشفافة، بعيداً عن أي اعتبارات حزبية محضة، خصوصا وان تجربة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية تتطلب تقسيما سياسيا وإداريا متطورا  وتوازنا انتخابيا.

في ضوء ما يتم تداوله، وعملا بمعايير محددة يمكن تصور ثلاثة توقعات  مهمة:

2. تقليص عدد الجهات عبر دمج بعضها، حسب ما تداولته وسائل إعلام، دون أن يصدر بشأنه إعلان رسمي بعد.

3. الاكتفاء بإحداث عمالات وأقاليم وقيادات جديدة دون المساس بعدد الجهات، كما جرى في مراجعات سابقة.

هذا وقد انكب خبراء بوزارة الداخلية على إعداد تقسيم إداري جديد من الممكن احداث عمالات جديدة في أفق 2027، حيث ان وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت لم يستبعد إمكانية إحداث عمالات جديدة في أفق سنة 2027 إذا اقتضت الضرورة ذلك، وذلك في إطار إعداد تقسيم إداري جديد يشمل مختلف عمالات وأقاليم المملكة.

حيث جاء ذلك في رد الوزير على مداخلات المستشارين البرلمانيين خلال اجتماع لجنة الداخلية بمجلس المستشارين، حيث أثير موضوع إحداث عمالات جديدة، من بينها مطلب يتعلق بإحداث عمالة مستقلة ببني مكادة في مدينة طنجة.

وأكد لفتيت أن وزارة الداخلية سوف تقوم  بإعداد تصور جديد للتقسيم الإداري وفق مقاربة تستند إلى معايير موضوعية، مع مراعاة التحولات الديموغرافية والمجالية ومتطلبات التنمية.

وأوضح أن تجربة إحداث عمالات جديدة، مثل اليوسفية، والفقيه بن صالح، وسيدي بنور، ووزان، وسيدي سليمان، أثبتت نتائج إيجابية في تقريب الإدارة من المواطنين، وتخفيف الضغط عن المراكز الإدارية، وتعزيز نجاعة تدبير الشأن المحلي.

وتشير المعطيات الأولية إلى أن الوزارة تدرس إمكانية إحداث عمالات جديدة في عدد من المناطق التي تعرف توسعاً عمرانياً ونمواً سكانياً متسارعاً، أو التي تتسم باتساع مجالها الترابي، مما يصعّب تدبيرها في إطار التقسيم الحالي. ومن الممكن إحداث عمالات جديدة من بينها بني مكادة بطنجة، وبعض المناطق التابعة لإقليم تارودانت، إلى جانب مقترحات أخرى لا تزال قيد الدراسة.

مثل إقليم تارودانت، الذي يعد من أكبر أقاليم المغرب، والذي يضم 89 جماعة ترابية، ويعرف  ضغطاً متزايداً على المرافق. اضافة إلى امكانية احداث عمالة بسوق الاربعاء الغرب نظرا لشساعة مساحة جهة القنيطرة وهو ما يتناقض مع تزايد عدد السكان، ويفرض اعتماد تنظيم إداري أكثر ملاءمة، ويضمن تقريب الخدمات من المواطنين وتحسين جودة المرافق العمومية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *