المغرب: الانتخابات التي لا نراها… حين يتحول التصويت إلى قانون وهوية ومجتمع

حين نتحدث عن الانتخابات في المغرب، غالباً ما تنصرف الأنظار إلى المشهد الظاهر: الحملات الانتخابية، التجمعات، الملصقات، المناظرات، الوعود، المنافسة بين المرشحين، ثم يوم الاقتراع وإعلان النتائج.

لكن ثمة انتخابات أخرى تجري في مكان أقل صخباً، ولا تظهر نتائجها بالسرعة نفسها.

إنها الانتخابات التي لا نراها.

تلك التي تبدأ عندما تنتهي صناديق الاقتراع، ويجلس المنتخبون داخل البرلمان، وتتحدد موازين القوى، وتتشكل الأغلبية، وتُصاغ مشاريع القوانين، وتُناقش السياسات العمومية، وتتحول المرجعيات الفكرية والسياسية للأحزاب من شعارات وبرامج انتخابية إلى قوانين وقرارات وممارسات مؤسساتية.

هناك، تحديداً، يبدأ الوجه الآخر للانتخابات.

فصوت المواطن المغربي لا يختار فقط نائباً أو حزباً أو تمثيلية سياسية؛ بل يساهم، بصورة غير مباشرة، في تحديد موازين القوى التي يمكن أن تؤثر في الاتجاه الذي ستسلكه التشريعات والسياسات العمومية في ملفات تمس الحياة اليومية ومستقبل المجتمع والأجيال المقبلة.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أوسع من:

ليصبح:

الانتخابات التشريعية ليست مجرد عملية لاختيار أشخاص يمثلون المواطنين.

إنها أيضاً آلية لاختيار اتجاهات سياسية وبرامج وتصورات مختلفة بشأن إدارة الدولة والمجتمع.

وفي المغرب، لا ينحصر دور البرلمان في الخطابة والمناقشة، بل يرتبط دستورياً بممارسة السلطة التشريعية ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية.

ولهذا فإن قراءة النتائج الانتخابية من خلال عدد المقاعد وحده تظل قراءة ناقصة.

فالرقم الانتخابي يحدد موازين القوى، لكنه لا يكشف وحده عن الآثار التي يمكن أن تترتب على تلك الموازين.

قد تتشكل أغلبية، وتُعيّن حكومة، ويُعرض برنامج حكومي، ثم تبدأ مرحلة أكثر أهمية وأقل إثارة للاهتمام الإعلامي: مرحلة تحويل التصورات السياسية إلى قوانين وسياسات عمومية.

وهنا تنتقل الانتخابات من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي.

من أكثر المجالات التي تكشف حقيقة «الانتخابات التي لا نراها» مجال الأسرة.

فالأسرة ليست موضوعاً اجتماعياً محضاً، وإنما تنظمها منظومة واسعة من القوانين المرتبطة بالزواج والطلاق والنفقة والحضانة والنسب والولاية وغيرها.

وبالتالي فإن النقاش حول إصلاح قانون الأسرة في المغرب لا ينبغي أن يُختزل في صراع شعارات أو مواقف ظرفية.

إنه، في جوهره، نقاش حول تصورات مختلفة للأسرة، وللعلاقة بين الرجل والمرأة، ولمصلحة الطفل، ولحدود تدخل القانون في المجال الاجتماعي، وللعلاقة بين المرجعية الدينية والاجتهاد التشريعي.

وهنا تظهر أهمية الاختلاف بين المرجعيات الحزبية والسياسية.

فالأحزاب قد تتفق على عنوان عام مثل «إصلاح الأسرة»، لكنها قد تختلف في تعريف الإصلاح نفسه، وفي أولوياته، وفي مصادره المرجعية، وفي الطريقة التي ينبغي أن تتحول بها تلك الرؤى إلى قواعد قانونية.

ولهذا فإن الناخب المغربي الذي ينظر إلى الانتخابات باعتبارها منافسة على المقاعد فقط، قد لا ينتبه إلى أن جزءاً من الاختيارات الاجتماعية الكبرى يبدأ من ذلك التصويت.

الأمر نفسه ينطبق على التعليم.

فالتعليم ليس قطاعاً تقنياً منفصلاً عن المجتمع، بل هو إحدى أهم المؤسسات التي تتشكل داخلها صورة المواطن والمجتمع والدولة.

ومن يشارك في وضع السياسة التعليمية يساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد:

  • طبيعة المدرسة العمومية؛
  • مكانة التعليم الخصوصي؛
  • موقع التعليم الأولي؛
  • مضمون المناهج والبرامج؛
  • اللغات المستعملة في التعليم؛
  • العلاقة بين المدرسة والأسرة؛
  • موقع التربية والقيم؛
  • تكافؤ الفرص؛
  • علاقة التعليم بسوق الشغل؛
  • وصورة المواطن الذي يُراد تكوينه.

ومن هنا فإن النقاش حول المدرسة المغربية لا ينبغي أن يبقى محصوراً في عدد الأقسام أو البنية التحتية أو نتائج الامتحانات.

السؤال الأعمق هو:

وهذا السؤال، في نهاية المطاف، سؤال سياسي وتشريعي بقدر ما هو سؤال تربوي.

فالاختيارات المتعلقة بالتعليم العمومي والخصوصي، والتعليم الأولي، والمناهج، واللغات، والقيم، ومكانة المؤسسات التعليمية التقليدية، كلها تقع داخل نقاش أوسع حول وظيفة المدرسة في المجتمع، وحول العلاقة بين الدولة والأسرة والسوق والمرجعية الثقافية.

هنا نصل إلى المسألة الأكثر حساسية.

كل حزب سياسي يدخل الانتخابات محملاً بمرجعية أو تصور أو مجموعة من المبادئ والأولويات.

وقد تكون هذه المرجعية محافظة أو اجتماعية أو ليبرالية أو يسارية أو ذات مرجعية إسلامية أو غير ذلك.

ولا تكمن المسألة في وجود الاختلاف؛ فالاختلاف جزء من التعددية السياسية.

المهم هو أن يدرك المواطن المغربي أن هذا الاختلاف لا يبقى بالضرورة داخل صفحات البرامج الانتخابية.

فعندما يصل الحزب إلى البرلمان أو الحكومة، يمكن أن يجد نفسه أمام مسؤولية المشاركة في التشريع، وصياغة السياسات، واقتراح القوانين، وتعديل القوانين القائمة، والتصويت عليها، ومراقبة تنفيذها.

وتوضح المؤسسات الدستورية المغربية أن مسار النصوص القانونية يمر بمراحل مؤسساتية، كما تتولى الأمانة العامة للحكومة تتبع مشاريع النصوص القانونية ومراقبة مطابقتها للإطار الدستوري والقانوني قبل استكمال مسارها.

وهنا يتحول الاختلاف السياسي إلى اختلاف في القواعد التي تنظم المجتمع.

أي أن المرجعية، عندما تدخل المجال التشريعي، تصبح جزءاً من النقاش حول القانون.

ومن هنا تحديداً تبدأ «الانتخابات التي لا نراها».

قد يبدو التعبير كبيراً، لكنه يعكس حقيقة بسيطة:

المواطن عندما يصوت لحزب أو مرشح، فإنه يمنحه، في حدود النظام الدستوري والمؤسساتي، تمثيلاً سياسياً يمكن أن يؤثر في صناعة القرار.

ولذلك فإن الوعي الانتخابي لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال:

من هو المرشح؟

بل ينبغي أن يمتد إلى أسئلة أخرى:

ما برنامجه؟

هذه الأسئلة تجعل الانتخابات فعلاً ديمقراطياً قائماً على الاختيار الواعي، بدلاً من اختزالها في الأشخاص والحملات والشعارات.

غير أن هناك مسافة يجب الانتباه إليها.

فالبرنامج الانتخابي ليس قانوناً، والشعار السياسي ليس سياسة عمومية، والوعد الانتخابي لا يتحول آلياً إلى واقع.

هناك البرلمان، والحكومة، والمؤسسات الدستورية، والموارد المالية، والائتلافات السياسية، والقيود القانونية، وتوازنات المجتمع، والقدرة الإدارية على التنفيذ.

ولهذا فإن الانتقال من البرنامج إلى القانون ليس عملية ميكانيكية.

لكن البرنامج يظل مهماً لأنه يكشف الاتجاه العام الذي تريد القوى السياسية الدفاع عنه.

ومن هنا تأتي ضرورة مساءلة الأحزاب والمنتخبين، ليس فقط عما قالوه قبل الانتخابات، وإنما أيضاً عما فعلوه بعدها.

فالاختبار الحقيقي لأي برنامج سياسي لا يبدأ يوم إعلان نتائجه، بل عندما يصبح مطالباً بتحويل وعوده وتصوراته إلى مواقف ومبادرات وممارسات داخل المؤسسات.

هناك انتخابات لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به نتائج الاقتراع.

لا كاميرات تلاحقها، ولا تجمعات انتخابية حولها، ولا ملصقات في الشوارع.

إنها تظهر في مواد قانونية تبدو جافة، وفي تعديلات تشريعية، وفي قوانين مالية، وفي مراسيم، وفي سياسات تعليمية، وفي برامج اجتماعية.

لكن آثارها قد تصل إلى البيت والمدرسة ومكان العمل والشارع.

ولهذا فإن المواطن المغربي الذي يتابع الانتخابات بوعي لا ينبغي أن يكتفي بمتابعة نتائج الصناديق.

عليه أيضاً أن يتابع ما يحدث بعد الصندوق.

فهناك، في كثير من الأحيان، تتحدد نتائج سياسية وتشريعية واجتماعية قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة التحولات التي تلي الانتخابات من خلال ثلاث ساحات كبرى:

حيث تتحول الرؤى المتعلقة بالزواج والطلاق والطفولة والعلاقات الأسرية وغيرها إلى موضوعات للنقاش السياسي والتشريعي.

حيث لا يتعلق الأمر فقط بإدارة المدرسة، وإنما بالسؤال عن المعرفة والقيم واللغة والانتماء وتكافؤ الفرص وصورة المواطن الذي تنتجه المنظومة التعليمية المغربية.

حيث تنتقل المرجعيات الحزبية من المجال النظري إلى المجال التشريعي، وتصبح موضع اختبار داخل البرلمان والحكومة ومختلف المؤسسات المعنية بصناعة القرار.

وهذه المجالات الثلاثة ليست منفصلة.

فالأسرة تنتج المجتمع، والمدرسة تعيد تشكيل الإنسان، والقانون ينظم العلاقة بينهما وبين الدولة.

ولهذا فإن أي قراءة جادة للانتخابات المغربية ينبغي أن تنظر إلى هذه الدوائر مجتمعة، لا إلى يوم الاقتراع وحده.

خاتمة: ما لا نراه قد يكون أهم مما نراه

الانتخابات التي نراها تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج.

أما الانتخابات التي لا نراها في المغرب فتبدأ بعد ذلك.

تبدأ عندما يجلس المنتخب تحت قبة البرلمان.

عندما تناقش مشاريع القوانين.

عندما تُصاغ السياسات العمومية.

عندما تتغير القواعد المنظمة للحياة الاجتماعية.

عندما يعاد رسم ملامح المدرسة.

وعندما تدخل المرجعيات السياسية إلى مختبر التشريع.

هناك، بعيداً عن صخب الحملات الانتخابية، تتشكل أجزاء مهمة من المستقبل.

ولذلك فإن الديمقراطية لا تختزل في لحظة التصويت.

إنها تبدأ منها، ثم تستمر في المراقبة والمساءلة والنقاش العمومي وتتبع التشريع والسياسات العمومية.

فالناخب الواعي لا يسأل فقط:

بل يسأل أيضاً:

ومن هنا يصبح فهم الانتخابات المغربية أكثر عمقاً من مجرد معرفة الفائز والخاسر.

لأن بعض الانتخابات تُعلن نتائجها في ليلة واحدة…

أما نتائج أخرى فقد يحتاج المجتمع إلى سنوات حتى يكتشف آثارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *